ثنائية الحلم والواقع في السرد القصصي

محمد الحرز
منذ إصداره الأول “ظهيرة لا مشاة لها” في أواخر الثمانينيات اعتمد يوسف المحيميد من منظور أدواته الإبداعية على تقنية الوصف باعتبارها تقنية ترتكز على عناصر ثلاثة: المجاز والتحفيز والمشابهة, وهي عناصر تفضي بالسرد إلى التكثيف والتقطير، لذلك نجد شخصيات قصصه تخضع في متوالياتها السردية لمتطلبات الخطاب وليس للواقع، أو كما يسميها بيتر بلاكست تخضع لمشابهة الواقع,

(المزيد…)

حداثة القص وحداثة الرؤية في قصص المحيميد

عزازي علي عزازي
” استيقظت، حاولت أن أرفع رأسي فاصطدم بالسقف، التفت بصعوبة حتى كأن السقف هبط تماما، موشكا لأن يلامس أرضية الغرفة، لكنه إرتطم بجسدي الضئيل، سحبت جسدي من أسفل السرير، كلما حالت أن أرفعه، بدأت أفتش عن نفسي في زوايا الغرفة، ودخل خزانة الملابس وتحت الطاولة، لكنني وجدتني أخيرا دافنا ذقني بين ركبتي موزعا نظراتي المستريبة بين الصباح الواقف قبالة النافذة وبين الباب، فتحت الباب، فألقيت ملائكة صغيرة، مجللة بالبياض والفرح همست وقد أغلقت الباب ثانية: “إنه العيد”.

(المزيد…)

رجفة أثوابهم البيض ومعالم الاستراتيجية السردية

مدخل: هذه الدراسة تهدف إلى استجلاء الصورة الكلية لمجمل الخطاب القصصي في سياقه المحلي، وهي –وإن بدت منفصلة عن بعضها البعض- ليست جزراً معزولة في بحر محيط، بل لابد أن تنتظمها في نهاية المطاف رؤية شمولية تمو وضعها في سياق واحد متصل هو الهدف الأساسي من هذا الجهد، والقراءة إذ تسعى للكشف عن الإمكانات الجمالية المذخورة في خطابنا القصصي لتدرك

(المزيد…)

أسباب عديدة لسفر وحيد

الحشرة

كانوا أربعة، وقفوا بجوار فراشي، أيقظوني بغير أسمي، فقفزت مذعورا، لم أتعرف على أي منهم، سوى الذي وقف قبالتي، إذ ابتسم لحظة أن وقعت عيناي على ملامحه، كان يشبه أبي كثيرا، لكن لحيته أكثر كثافة وبياضا، قال فيما يشبه الهمس: هيا. كانت عيناه تشيران نحوي، والنحو الدفتر ذي الورقات العشرين، وما أن لمح النوم المباغت يدلي برأسي فوق صدري، حتى أعطى الرجال معه أشارة، حملوني بعدها، ومشوا بي عبر الممر المؤدي إلى الباب الخارجي، وقد أوشكوا أن يتعثروا بجسد أمي النائمة، وجدتهم يضعونني داخل صندوق سيارة نقل حمراء، مغطى بشراع أخضر. غادر الثلاثة بعدها الفتحة الخلفية، بينما شبيه أبي يثب بقدم واحدة، معتمدا على يديه، شادا طرف حبل يجعل شراع الفتحة الخلفية مشرعا على آخره، وما أن سحبه حتى أنفرد الشراع المطوي تماما، حاجبا عن بصري بياض فجر جديد، وأخير في الوقت نفسه، إلا أن ضوءا لمحه يتخلل حلقات نحاسية صغيرة، يدخل عبر إحداها الحبل من يده الخارجية، ويده الأخرى داخل الصندوق عندي، تشد الحبل، وتدخله في حلقة أخرى، وهكذا، حتى أوثق الحبل جيدا، ليخبط جانب السيارة، التي هدر محركها فورا، وظل لثوان، حاولت خلالها أن أرى ما يحدث خارجا، إلا أن السيارة تحركت ببطء، لحظت أن وجدت حلقة نحاسية فارغة، اقتربت منها ورأيت الدنيا، وصباح الحي يستيقظ بطيئا، وشبيه أبي يمسد لحيته الكثة وينفض ثيابه وسط الشارع، كان ينفضها جيدا، وكأن شيئا عالقا بها، وأكد لي ذلك الإحساس، أنه حالما فرغ من تفض ثيابه، فرك بحذائه وسط الشارع، بل انه بدأ يركل بحذائه الشارع بقوة، كمن يقتل جرثومة أو حشرة صغيرة. كنت أراقب شوارع الحي، والمدرسة، وفرّاشها إذ يخرج كرسيه عند بابها، والبيوت التي أعرفها واحدا واحداً، والعيون التي أنكرتني، ووجه أمي كبيرا يغطي الحي، ودمعتها. تراجعت إلى أقصى صندوق السيارة بعد أن اختفت ملامح الحي تماما، تكومت في الزاوية. ظللت أهجس كثيرا، واقرض أظافري، بينما البرد يخل عظامي، صرت أتذكر الأغنية التي تغنيها أمي، حين نكون وحيدين. بدأت أغني بصوت خفيض. ما لبث أن بدا يرتفع صوتي تدريجيا، ويختلط بهدير المحرك القوي. كانت الدنيا صوتي وصوت المحرك الهادر، ولو مضى وقت قصير، صار صوتي صافيا، إذ ابتدأت قطرات مطر تدق الشراع الأخضر بهدوء، وصاحبها، فيما بعد، ريح شديدة، جعلت الشراع يصطفق في انحناءات قضبان الحديد على جانبي الصندوق وأعلاه، فصارت الدنيا أربعة، صوتي، والمحرك والريح والمطر، مما جعل صوتي يتصاعد عالياً، طرباً بأغنية السفر الطويل، حتى أخذتني إغفاءة قصيرة، استيقظت بعدها مذعوراً حد الجنون، إذ كان الصمت يخرق المكان تماماً، فما أن حركت قدمي، حتى ظهر صوت ارتطام قدمي بقاع الصندوق جليا، إذ كان المطر قد توقف، وسكنت الريح، بل إن المحرك كان خامداً أيضاً. حدقت من خلال الحلقة النحاسية، كان شارعاً لا أرى غير أوله، فالليل حلكته شديدة. تحركت نحو مقدمة الصندوق، محاولاً إزاحة شراع يغطي زجاجاً فاصلاً بيني ومقصورة القيادة. قرضت الرباط بأسناني، حتى انتزعته، فإذا المقصورة خالية من الرجال الثلاثة، وما أمام السيارة سوى ظلمة موحشة، ليس هناك أي شارع، كأن الشارع انتهى بغتة، لحظتها، بدأ صوتي واهناً يغني.

الريش

توسط السوق وتلفت طويلا، باحثا عن الباعة الآخرين وليس هناك سوى واجهات المحلات الزجاجية الأنيقة، ودهشة وجهه، وغيمات سود كثيفة تلوح في الأفق البعيد، همس لنفسه بأنه يحب الغيم والمطر، وأمه، لكنه يهمس بأنه يحب جارتهم أيضا. توارى الشاب النحيل، وعاد بأقفاص حمائمه البيض، ونواحها المتواصل يمزق هدأة الصباح، مما جعل البائع ذا الشارب الكث يهمهم: يا لله صباح خير. بينما يتثاءب بشدة، أما النحيل فكان منهمكا في تنظيف أوعية الماء البلاستيكية، وامرأة بعباءة سوداء ترف، في الذاكرة ملامحها كفراشة مرتبكة، وهي تطير ببضاعتها الخفيفة، والرجلان بعصيهما يطاردانها ركضا على الأرصفة، وفي ازدحام الممرات الضيقة سقطت، فاشتعل جلدها الأسمر، ولم يبق في مكانها سوى نعلين أصفرين، وعباءة مدعوكة، ونثار ريالات قليلة مبتلة بعرق الكف المحنّاة، كان يتذكر ذلك كل صباح، ويتذكر أيضا أنه رآها، المرأة نفسها، ذات ليال، تنتشر فوق أرصفة كثيرة، بكفها المحنّاة مفرودة من أخرها، تحفها أثواب المارة، وهم لا يعبأون وإذ ظل يهجس شاب نحيل، وأصفر، يجلس قرب أقفاص حمائمه، منتظرا من توقفه التفاتات الحمائم، كان يهمس لنفسه، بأنه سوف يفاجأ بهما يقفان على رأسه، لن يشعر بهما، لكنه سيلمح ظل عصيهما، فيقفز قفزة واحدة، تودعه طرف السوق، سيلتفت قبل أن يلتهمه الشارع الضيق، ليشاهد سيارة نقل تغادر، بينما نواح حمائم بيضاء يخف رويدا رويداً، وغبار يشتد في مواقف السوق، سيمشي خافضا رأسه، سيمر بجوار مطعم، وفي المطعم سيلمح رجلاً يتراءى له بأن شفتيه بعض ريش أبيض، سيبكي.

القارب

ساحة المدرسة مبتلة بالمطر، كما الصباحات الفائتة، حيث تنشر برك مطر صغيرة وسط الساحة، بينما ولد بعينين ساهرتين يجلس أعلى الدرج المطل على الساحة، خائفاً، إذ يرقب التلاميذ يديرون له ظهورهم، باتجاه صفوفهم الدراسية، كعادتهم حين يلمحونه يهم بإخراج ورقة بيضاء، كان قد طواها من قبل بعناية، هاهو يفردها الآن، وتتنقل عيناه الساهرتان بين نمنمة مضطربة، ثم يطويها بيدين مرتجفتين مرة أخرى، إلى جيب الصدر، مولياً ظهره للساحة، دالفاً إلى صفه الدراسي.
ذات ظهيرة يعقبها في العادة إجازة الأزهار والربيع، تناثر التلاميذ من خلال الممرات، والساحة، إلى الشوارع الفسيحة، والتي أفضت بهم إلى شوارع الحارات الضيقة، فأبواب المنازل الوطيئة، بينما بقي الولد ذو العينين الساهرتين في الساحة، فارداً ورقة بيضاء، لم يكن مضطربا، ولم ترتعش يداه، ولم تفتش عيناه الساهرتان عن التلاميذ في الساحة، كل ما فعله، أن بدا يثني أطراف الورقة، كي يصنع قاربا مقتربا به من بركة مطر.

أسئلة بأجنحة خفيفة

انكفاء

تنفلت مني وهي تمشي أماماً.
فأركض خلفها وقد أوحشني رفيف عباءتها السوداء، حتى أقبض عليه، بينما تجر يدي الأخرى حقيبتي الجلدية الثقيلة، وعيناي المضخمتان بالنعاس تصبان سوادهما على السور العالي، المضفور بامتداد شارع الوزير: “الميت يضحك”. أسأل.
تدفعني بكفها الضخمة بعنف، وأكاد أنكفئ قبل أن أتماسك، وأواصل سيري معها.
* *
كنت أراه كثيرا.
يخرج بخطى مكدودة، من غرفته الواطئة، إذ يحني رأسه المضمد بغترة حمراء لا تفارقه أبدا، وهو يهم بالصعود إلى الشارع الترابي، حاملا صينية تلتمع في الظهيرة، وتنكفئ فوقها فناجين تبرق ظهورها بنقوش ذهبية لم تخفها همهمات الأصابع إذ تلتف عليها، ثم يلتفت نحوي بسواد جبينه، دون أن يطلق تطبيقه اليومي، فأركض نحوه ملتقطا منشفة صوفية مقلمة سقطت من على كتفه، وأنفضها من ترابها العالق، ويكل مشيه بعد أن أثبتها حين يثني ركبتيه كي أستطيع أن أناوش كتفه العالي.
ويحدث أن يناولني سواد وجهه المكدود، دون أن يتوقف، لأجدني أتبعه، بأن أدلف الباب من ضلفته المفتوحة، وأصعد سلم الدرج الطويل، وحالما نستوي تحفنا، بغتة، ضحكات عالية تشيعنا لحظة أن نمعن في عمق المجلس، فيزداد ارتباكي، ويزداد تقطيبه، وأتنقل بعيني الوجلتين بين وجوههم الضاحكة بشدة، إذ تتراخى ظهورهم على مساند خضراء، ويغرزون مرافقهم القاسية في صدور الحمائم البيضاء المنسوجة في صوف المتاكيء الخضراء، فتتكالب رعشات يدي الصغيرتين، وأنا أفرش المنشفة الصوفية المقلمة فوق التماع ظهور الفناجين، التي تضيء نقوشها الذهبية قبل أن تستكين في ظلمتها.
وبينما أهبط سلم الدرج مسرعا نحو الأسفل، أسمع أصواتهم تطيّر النكات صوبه، وهي تسأل:”أنت رجل؟ ” ثم تتلاحق الضحكات صاخبة، وكأنني ألمحه- بينما أهبط الدرج – بوجهه المشدود، واشتباك حاجبيه الكثيفين.

رغم أنني كنت أدفع بيدي أجسادهم الضخمة، إلا أنني لم أفلح أبدا في أن ألمح ما إذا كانت ثمة ابتسامة صغيرة ترسم غمازتيه السوداوين للمرة الأولى، وجسده الباذخ مسجي بامتداد صندوق سيارة النقل المحشورة في عرض الشارع الترابي.
ظللت، لسنين عديدة، أسحب حقيبتي الجلدية الثقيلة، وأنا وحدي أحاذي سور المقبرة العالي الذي يحف شارع الوزير، وأسأل روحي:
“الميت يضحك؟ “.
ودون أن تدفعني كف ضخمة، أجدني، بغتة، أنكفي، لوحدي.

اغتسال

ببساطه المقلم الأصفر وبالأحمر، وبحافظات الشاي والقهوة، وبالمسبحة السوداء يتنفس صاحبه أمام باب منزله الحجري الضخم، ومع انفلات أول خيط لرائحة الهيل من فم الحافظة تصطف نعالهم الضخمة على حواف البساط المقلم، ويلتفون حوله، يثرثرون بلغة لا أفهم سوى بعضها، إذ أتكوم بجسدي الضئيل فوق عتبة باب منزلنا، وأنا أشيّع قامة أبي بمشيتها المتباطئة، إذ أتتحسس خطاها بصعوبة جعلتني أتذكر دهشتي ذاك المساء الصيفي البعيد، وقد تقاطرتُ، متقافزا، من أول الزقاق، كعادتي كلما لمحت انعطافته مقبلا، وللمرة الأولى، أشعر بجسده صلباً حين عانقته فيما يشبه الارتطام، نعم فقد ارتطمت به، ولم يتقوس كنهر فضيّ وهو يلمّني بضفتيه الخضراوين، ولم أتقلب في حضنه مثل موجة، لكنني غرست أذني لحظتها في ساحة صدره، وهالني الوجيف العالي، وارتباك يديه، وانفلات حاجبيه المكسورين للأسفل، لكنه لم ينهرني لحظة ذاك رغم أنني بقيت أسأل روحي وقد أنزلني، ومشيت بجواره: هل لم يعد يراني؟ ومنذ ذاك المساء الصيفي البعيد، صار أبي يتحسس خطاه ببطء، ويفز جسده لأي شيء يفجأه في الطريق، رغم نظارتيه السميكتين جدا.
هكذا ظل أبي، حتى إذا ما ضبطته أمي، وهو يحسب قدميه دون أن يرفعهما، وبتحسس بيده الجدران والأشياء من حوله، كان يقول: “شوفي مثل الصقر”.
لو تبتاع يا أبي بساطا مقلما بالأصفر والأحمر، وتفرشه قدّام بابنا، وتلوح بمسبحة سوداء بين أصابعك، ثم تجعل فم الحافظة يبوح برائحة الهيل لسماء الحارة، حتى يمتلئ بساطك الملون بمسبحات الرجال وضجتهم، آه يا أبي لو تني فوق بابنا مظلة كبيرة، كي يجتمع تحت ظلها بعد ظهيرات الجمع الطلاب ببزاتهم الزيتية وهم ينتظرون الحافلة التي تنقلهم إلى المدرسة العسكرية، هل كانوا يقفون عند بابه كي يستظلوا؟ أم تراهم يحبونه دوننا؟ لكن لماذا؟ كنت أسأل دائما، وأنا ألكم ركبتي الصغيرتين فوق عتبة الباب: لو تركت دكانك المحشورة في قاع (الديرة)، ولم تعد تلبس النظارة السميكة لتغرزها فوق الساعات المنطفئة، وتوقفت ساعات الناس كلهم، هل سيجهلون الوقت بعد ذلك؟ ثم لن يستطيعوا الذهاب إلى أعمالهم في الصباح؟ أم أننا سنبقى في ليل طويل، لا يجيء بعده صباح؟ حتى لا يعرف (هو) كيف يفرد بساطه المقلم أمام باب منزله الحجري، ولن تصطف، بعد ذلك، حول بساطه نعال ضخمة.
في مساء كهذا، يغرق فيه شارعنا في الظلمة، والضوء لم يزل يلون البنايات العالية، قررت أن أشعل شارعنا بالتماع عيني الساهرتين، حتى يتهادى بجسده، تقوده نظارتان سميكتان، وينزعهما حالما تلوح أمي بمنشفة الصوف البليلة بماء ساخن، لتفردها فوق عينيه، إذ يردد في الأيام الأخيرة: “أحس بحرارة بجفوني”.
طويت جسدي الصغير، ودسسته، فرفع جناحه الأبيض، وخبأني، حتى شممت طراوة العرق الرطب، فأضأت هدأة البيت: “أنت ما ترجع إلا في الليل، وهو يقعد على بساطه طول النهار”.
قال لي دون أن يكترث: “هذي قسمة الله”.
“طيب، لماذا؟”.
للمرة الأولى أشاهد ارتباك ملامحه بشدة، وسطوة عينيه الناتئة وقد تخلصت من سماكة النظارة الراقدة فوقها، وبيده الضخمة الساخنة دفعني:
“قم، اغسل لسانك عشر مرات”.
قمت وغسلت لساني عشر مرات، لكنني عدت أسأل ثانية: لماذا يا أبي؟ وبقيت أطير الأسئلة كفقاعات صابون، لا تلبث أن تتوقف في فضائها، ملتمعة، ثم تهبط ببطء، حتى تنفجر لحظة أن تصطدم بالأشياء. واستمررت، لسنوات طويلة، أغسل لساني عشرات المرات، وأسأل كثيرا، حتى لفظتني قاعات المدارس إلى ممراتها، ووجدتني، بغتة، خارج الأسوار العالية، لكنني بقيت وحدي أفض الطرقات، وأسأل.

ارتباك

بابهم كان قصيراً، أسود، بضلفتين مربعتين، في منتصفه يغوينا ثقب دائري صغير، نتناوبه، بأن نغرس أعيننا في عمقه، ونرى ساحة بيتهم المشجرة، ومسبحهم تلتمع فيه زرقة مائهم، ونسأل أبدا، لماذا أزرق هكذا؟.
في هدأة شارعنا الترابي، حين همزت مزلاج بابنا، توانى أنين الأكره العالي، حتى لمحت وريقات أشجار الكينا تضطرب في الضحى، وأغصانها المتشابكة تقذف بلحائها البني اليابس، أيضا كانت شجرة التوت المستندة بجذعها الضخم على جدار البيت، تطرز شارعنا بتوتاتها الحمراء البهية. ولما صرت في الشارع شاهدت العصافير الرمادية تتخاطف في سماء الحارة إذ تطيرها أشجار منزلنا المرتبكة.
شبك أصابعه في يدي، فارتعشت شوارع (عليشة) النائمة، وهي تلم أطرافها، لكننا ندوس عليها بأقدامنا الصغيرة، حتى تذعن. بينما لم تزل تلوب العصافير رمادية فوق رأسينا، حاملة أعواد القش، باحثة دونما كلل عن مكان العش المناسب فوق ياقتنا المتراخية بكسل حول أعناقنا المتوجة ببياض عرق مضيء.
ناولنا ظهورنا المعروقة مدرستنا الكبيرة، بفراشها، الذي يمطر سيارته المتهالكة بحبات الماء الضخمة، حيث تنفلت من أنبوب الماء في خيط سميك، لا تلبث أن تتقافز القطرات، فضية، في الفضاء، وتلتمع وهي تهدر نهرا فضيا ناعما، إذ تشد الشارع الترابي من رأسه كي يمشي معها في تواطؤ لذيذ.
بعد أن تركنا منازلنا المتعانقة في قاع (عليشة)، وصعدنا الشارع المنتشرة فوق أسفلته شمس باردة، توقفنا عند بابهم الأسود، بضلفتيه المربعتين، ثم أشار بعد أن نزع عينه من ثقب الباب، أن الباب قصير، وافقته، فشبك أصابعه ببعضها، وغرست قدمي في اتساعها، ثم وثبت، وكنت في أعلى الباب، لأناوله كفي، وأشده عاليا، وفي لحظة خاطفة صرنا في هدأة ساحة البيت، وأستلمنا خطانا الحذرة إلى حافة الماء الأزرق، فشاهدنا رجفة ثيابنا البيض على سطح الماء، غمست أصبعي الراعشة في وجه الماء، فارتبك، ورفعت أصبعي وأنا أحدق فيه: “ما صار أزرق”، هز رأسه موافقا، وقد غرف بكفه الصغيرة، ونثر الماء على حافة المسبح، فلم يتلون البلاط أيضا، لحظتها سمعنا اشتعال حذاء وهو يخدش الأرض، فرفعت رأسي صوب الشرفة، وكانت بشعر ذهبي كسنابل راعشة، وعينين بزرقة ماء القاع، انفرطت من شفتيها ابتسامة صباحية هائلة، جعلتني أنظر فورا إلى سطح لا ماء، لكنه لم يتحرك أبدا، ثم غابت من الشرفة لثوان، وحين عادت ثانية أرخت ابتسامة أخرى جعلت وجه الماء يرتجف بشدة، فلمحنا معا شرائح بسكويت بأغلفة بلاستيكية شفافة، وهي تتأرجح وادعة على الماء، التفت نحوي، حيث طالعته، واتجهت نظراتنا تائهة نحو القوارب اللامعة وهي تتهادى بأغراء موجع فوق مويجات الماء المتكسرة. هبّ واقفا، فتح أزرار ثوبه، وكاد أن يخلعه، لدرجة أن تتناثر أعشاش العصافير الرمادية من ياقته المتراخية بكسل، فأوقفته، ورحت ألم ياقته إلى عنقه، وأشعر بروحه توشك تفر عاليا كأنما تتطاير من بين يدي. أشرت إليه بأن يعيد أزراره إلى عراها، وطالعتني من شرفتها وهي لا تكف عن الابتسام، فوجدتني، أشد ثوبي للأعلى، ليرتبك وجه الماء الأزرق كما لم يرتبك من قبل، وهو يحاول أن يشيح بوجهه لحظة أن خالطه السائل الساخن، المتدافع.

يوسف

داخل الإطار تفيض صورته بالأبيض والأسود، وكأنه يطل من نافذة غرفته المحجوبة بوريقات الكينا الكثيفة، لم تتغير ملامح وجهه، العينان الغائرتان السوداوان، حاجباه المفرودان كجناح نسر يوشك أن يحط فوق وكره، واستقامة أنفه، فقط ظهر له شارب شذبه بعناية، وفي ملامحه هدأة هائلة، كما عرفته، وديعا وعنيفا كالماء.
أشجار الكينا الضخمة تنمو في صدر البيت، وهو ينمو فوق عتبة الباب الصغيرة، كما الأشجار كان، لا يتعارك مع صغار الحارة، لكنه يصدر هسيسا خافتا إذا ما كدره أحدهم، هل كان ذاك الهسيس، كما الوريقات تهزها الريح، وهو آخر شكواه؟
لحظة أن كان الصغار يرشقون بالحجارة والنبال عصافير الكينا، وهي تربك الضحك بالضجة، كانت تتوقف، بغتة، عن ضجيجها، فتتوقف معها ضجة صدره الصغير، حيث تشخص عيناه، إلى أن تنقط العصافير الرمادية بالزقزقات بلاط البيت، فيرف.
بعد أن أغمضت عيني قليلا عن صورته المكسورة في صدر الصفحة، انفتحت نوافذ عديدة، أسلمتني إلى شوارع متسعة، وموحشة، في أعماق (عليشة) القديمة، حيث يتقافز كأرنب بري متوحش، وهو يصرخ في أوراق الجرائد إذ يلوب بها الهواء، يلمها بيديه الصغيرتين نحو صدره. ويطلق أنينا عاليا يشبه أنين حيوان مكبل، كلما باغتته ورقة بأن صفعها الهواء المشاغب، فتهادت قليلا إلى الأمام. كنت معه، أساعده بأن أقبض على كل الأوراق التي يعيث بها الهواء، بأن يتآمر عليها، ويأخذها نحو السماء.
صغيرا كان، عندما قالوا له إن الهواء أخذ أمه إلى الأعلى، لحظة أن بدأ يسأل عنها في النهار، ويبكيها في مساءات الشتاء الطويلة.
بعد أن شرح مدرس العلوم مكونات الطبيعة، طلب من أحد تلاميذ الصف الأمامي بأن يعدّها، فذكر له: الماء، والهواء، والتراب، لكنه نسى: النار. وقال التلميذ أنه يكره النار، لأن مدرس الدين يقول ذلك: وتنقل المدرس بين التلاميذ، وكلهم يعلنون بثقة أنهم يكرهون النار. وقد أشار إلي في الصف الأخير، قلت: أنا لا أكره الهواء، لكنه لم يسألني: لماذا، ولم أقل أنا أيضا، بأنه رفع ملمح أمه الأليفة، ويديها التين تدعكان ظهره بالماء، وتضمانه نحو مساحة صدرها ليلا، حتى بات الليالي التي تلت، يضمه نشيجه الخافت، وتهدهده صرصرة الحشرات الملتصقة بأغصان الكينا الضخمة.
فردت الجريدة من منتصفها، وجهه ما تغير، بعينيه الغائرتين قليلا، وحاجبيه المفردين كجناحي نسر توقفا عن الخفق، وقد هم بالهبوط، إلى أين سيهبط؟ ولما لم أجد إجابة سريعة، قلت لنفسي سوف أقرأ قصته الجديدة:
“عندما استيقظت هذا الصباح، ولم أنهض فزعا، كعادتي، بل تنبهت ببطء، وشعرت أنني مكدود تماما، وتعب، فتحسست عيني، ووجدتهما مبتلين…”.
أقفلت الجريدة ثانية، وضمدت أذني بوسادة قطنية ثقيلة، كي لا أسمع شيئا، لكنني، سمعته ـ رغما عني ـ وهو يكمل قصته بالبحة في صوته المتقطع، وخشخشة صدره الواسع.
وحينما رفعت الوسادة القطنية الثقيلة عن أذني، كانت أصابعي مبتلة وقد تحسست بها وجهي.

بكائية للقسوة… ترنيمة للحياة

د. صلاح السروى
هذا صوت صادق وجاد من العربية السعودية، يرتحل بنا – بوعي نافذ- إلى مادون قشرة الوفرة والغنى التي تتصدر الخيال عند الحديث عن هذه البلاد. بمبضعه حتى نخاع الوجود المادي والروحي للإنسان هناك. نازعا الطلاء المبهر. كاشفا العظام عارية دون زيف… ودون افتعال كذلك. متجاوزا رومانسية قصص الحب البدوية المستهلكة، فليلتحق بكتيبة الباحثين عن الحل الجمالي الأكثر واقعية وعصرية لقضية التعبير عن وضيعة إنسان مجتمعاتنا العربية، الرازح بين مطرقة السلطة- النظام الاجتماعي وسندان التقاليد،

(المزيد…)

بين الواقع الواقعي.. والواقع الفني..

أمجد ريان
يقترب الفن يوما بعد يوم نحو منطقة تتأكد فيها خصوصيته وفرادته كظاهرة أساسية عبر من خلالها الإنسان طوال التاريخ عن حلمه الدائم لتخطي عقبات الحياة.
إن تأكيد خصوصيته الفن، هو تأكيد للظاهرة، وفهم راق إلى كيفية تكونها، وطبيعتها، وماهيتها، وكيفية أدائها لدورها المعرفي بين مختلف الظواهر الأخرى، كما أن تأكيد هذه الخصوصية لا يلغي اتصال ظاهرة الفن بكافة الظواهر الأخرى، وبالواقع الاجتماعي الذي يشملها جميعا، وبالكفاح الإنساني في طريق التطور.

(المزيد…)

عبقرية اللغة وعبقرية المكان

د. محمد صالح الشنطي
لا مفر –ونحن نلتمس مدخلاً للولوج إلى عالم المحيميد القصصي في مجموعة “ظهيرة لا مشاة لها” من التعرف على ما يثيره العنوان من دلالات، فإسناد النفي للمنفي في وجهيه المعنوي واللفظي يقدح زناد الدلالة، ويشكل صدمة للمتلقي تستوقفه وتستفتيه، فالظهيرة –في حد ذاتها- نفي للظل، والكاتب يستخدمها بهذه المثابة، وهي ذات دلالة مفارقة: ضوء غامر وشمس حارقة “ولا مشاة لها” تأكيد لجوهر النفي فيها، فمن المعروف أن الظهيرة تنفي وجود المشاة، فلا أحد يجازف بالمشي في غمرة

(المزيد…)

ظهيرة لا مشاة لها: الظل

هذا الليل الأحمق يجيئني كلما ملّ الضوء التحديق الغبي في وجهي ،وتتأوه أمي المتعبة:
– تزوج يا ولدي، فاني لهفى على ذلك.
***
قال الآخر: لِمَ أنت قلق وحزين؟. قلت:
– الليل يملني كثيرا.
– دعه يبتعد عنك قليلا. في دهشة واستجداء:
– كيف؟.
– لم لا تمشي على الأرصفة ظهراً، حتى يمنحك الضوء ظلك. تساءلت في سذاجة:
– وهل تعتقد أنه يلازمني؟.

– لاشك في ذلك. شكرت الآخر بعمق، وابتعدت.
في الصباح الباكر كنت كغيري أنتعل الأرصفة الرمادية، والضوء تلغيه عن جسدي غيمة مشاغبة. كل الذين أقابلهم يسيرون بأظلتهم معهم.. صادفت صديقي الذي درس معي الابتدائية – حيث كان يجلس في الصف الأمامي من الفصل بكل أدب وبلاهة ـ وقف أمامي. حدق في ملامحي الممزقة، وصافحني بحرارة، في حين كان ظله المثير يمتد على الرصيف دون أن تمتد يده نحوي. الظل هو صديقي، ولكن الجمجمة ذات شكل مختلف جدا، مما جعلني أغوص في تفاصيلها: أعين ساهمة، شعر مرتفع من الأمام، وينساب بنعومة إلى الخلف. شفاه تتلهف بضراوة، وأشياء كثيرة تقتلني بهدوء.
– أرجو أن تقبل دعوتي. سرتُ مع صديقي، حيث كان يتوسط بيني وبين الظل. دخلنا، وجلسنا على كرسيين مربعين، واختفى ظله بعد الدخول.
– هل تزوجت يا صديقي؟.
قلت في تثاؤب:
– لا، ولكن أفكر الآن. ثم أضفت، وقد افتعلت حيوية مؤقتة:
– ولكن ما رأيك أنت؟.
– أعتقد أنك سوف تشعر بسعادة كبيرة. قال فابتسمت!.
أراد صديقي أن يستأذنني لانشغاله بعمل ما، و خرجت أيضاً معه. في الشارع وقف يودعني، وأثارني جداً أنه يقف بدون ظل مع أن الضوء المحرق يحتويه. مشى بعيداً، وجعلت أشاهد منزله من الخارج، وحين استدرت لبدء طريقي أدهشني أني أمشي للمرة الأولى في حياتي بظل أطول بكثير من قامتي، وله جمجمة تختلف عن جمجمتي الصغيرة. باختصار كان ذلك الظل يشبه كثيراً ظل صديقي بل هو نفسه. حاولت أن أتخلص منه، وكان يلتصق بجسدي النحيل كثيرا، دخلت في طرق ملتوية وأرصفة لا تنتهي لعله يفقدني، وهو يتشبث بقدمي ويمتد بأغراء موجع على الرصيف الرمادي. أمشي، ويمشي الظل معي. أقف ويقف أيضا معي، ويزعجني أني أمد يدي إلى أنفي وأحكه، ولكن يد الظل لا تفعل ذلك. أدخل منزلي المظلم، وأعبر السرداب الضيق، وحين دخلت غرفتي أغلقت الباب خلفي، خلعت ملابسي وهو يخلع مثلي. ارتميت على السرير العفن، وكان يرتمي معي بنفس اللحظة، ولكن ساقاه ممدودتان للسقف.
،، وشعرت بالشوق والرطوبة واللذة والرعشة والنوم.. نمت حين استأذنني الظل بلطف بعد أن خمد الضوء.
سبتمبر 1987م

الجريدة

الشارع طويل، ويغفو. السيارات قليلة، وتتجمع عند الإشارة. ثلاثة ريالات مطوية في راحتي الرطبة، ورائحة الظهيرة تغسل وجهي. ” سالم” اليماني يرتب الجرائد الصباح. في دكانه الصغير أمد يدي: ست جرائد لو سمحت.
* *
– جريدة يا ولد.
أركض نحو سيارة بجوانب مهشمة. عرق موزع على جبين السائق الذي تستطيل رقبته من النافذة، ليستدير وجهه نحو صبي في طرف صندوق السيارة الخلفي:
– انظر! كيف يلقى أولاد الناس أرزاقهم!.
– يا ولد العجوز. أضاف حين أدخل رأسه في مقصورة السيارة وقد التفت نحو امرأة بجانبه تلتحف عباءة سوداء. أناوله الجريدة، وهمهمة المرأة خفيضة، وخائفة. كم ترتعش يدي الصغيرة لثقل ما تحمله من دلة مملوءة بالقهوة المّرة، والمجلس يزدحم بوجوه تفوح منها روائح البخور، لينتشي أبي حين يرخي لسانه:
– امسك الدلة جيداً، يا ولد العجوز.
* *
“سالم” اليماني يسعل بشدة، وهو يسحب كرسياً خشبياً من داخل دكانه الصغير، ليجلس على الرصيف. يتناول من جيبه علبة سجائر حمراء، يخرج سيجارة، ويضعها بين شفتيه اليابستين. يشعل ثقاباً بيده الضخمة التي لكمت ذات مرة ظهري الصغير، وعصرت شحمة أذني بقوة، لتخرجني من دكانه بسبب بقائي دون أن أبتاع شيئا:
– إذا أردت شيئاً، أطلبه وأنت تقف عند باب الدكان.
– حاضر. أريد قلم رصاص بممحاة.
– هات إذن.
– ماذا؟.
– يا سلام! يعني تأخذ قلم رصاص بالمجان؟ هكذا!. “قالها وهو ينفض يديه في وجهي”.
“سالم” ينفخ دخان سيجارته بكثافة، ليتصاعد من حوله، ويطالع في وجوه داخل سيارات تقف عند الإشارة. أو في اكتناز امرأة مصرية تنشر غسيلها من شرفة شقة عالية.
* *
الجرائد تتناقص من على ذراعي، والحرارة تحرق هامتي العارية. هناك مشاة على الأرصفة بدءوا يفيقون من نومهم. يدخلون الدكاكين المنتشرة على جانبي الشارع، يأخذون حاجاتهم، ثم يتفرقون بين مداخل العمارات.
* *
” سالم” اليماني يحرق سجائره، ليفتح علبة جديدة، وعيناه مصوبتان نحو شرفة شقة عالية.
* *
يدٌ تؤشر نحوي داخل سيارة سوداء رياضية. أركض في مساحات الإسفلت الفارغة بين السيارات. أقف أمامه. يفتح زجاج نافذته شابٌ أخضرّ شاربه. وبجانبه آخر في خديه نمشٌ خفيف، وله شفاه غليظة. الجريدة الأخيرة في يدي يتناولها:
– كم حق الجريدة؟.
* ريال واحد فقط.
ـ هذا كثير.
يهمسان بينهما، ويبتسمان بأعين غامضة:
– ما أسمك يا شاطر؟.
* لماذا؟ تحركت الشفاه الغليظة بصوت يغالبه بحة:
– حين نسألك تجيب فقط. وجهي ليس هو. وأقدامي ترتعش حتى كأن الشارع يخلو من عابريه، وعيناي تبحثان فرصة سريعة للركض. يدا السائق الشاب تجسان جيبه:
– معك صرف عشرة ريالات؟.
حنجرتي تجف، أحدّق، وضوء الإشارة يتيح العبور. رذاذ بصقة على وجهي، وضحكة مجلجلة أسمع آخرها. صرير مدو يودعني. أهرول. نشيج في داخلي، ورجلاي تتركان الرصيف.
يوليو 1988

الحمّام

رائحة العرق تلف الأنوف. أقفية الرؤوس الصغيرة تحاصر الفتحة الضيقة في جدار الأسمنت المقابل. الأذرع الملساء تتشابك في صراع للوصول إلى أنف البائع الشبق الذي يضغط على الأكف الصغيرة حين يتناول النقود، ومن صدره تفوح زفرة جائعة. أدخل رأسي المنفوش وسط الزحام. يفصلني عن النافذة الفتى الأبيض الرقيق، الذي توقف بسببه بيع الفطائر، فالبائع المتهدل الشوارب يمازحه، ويحادثه عن فريقهم المفضل ومباراته الشيقة ليلة البارحة، ليقهقها معا في غنج ودلال شهي. مابين الفينة والأخرى يتراجع الفتى الأبيض إلى الوراء ليلكزني في بطني الفارغ، فأشعر بامتلاء مثانتي. أضطر إلى زحزحة الأجساد المتلاصقة عن ظهري اللدن. أطل بوجهي على الضوء. لينعشني الهواء الجاف في الخارج. أمسك بطرف ثوبي بيدي. أودعه أسناني. أركض بشدة يلتفت نحوي بدهشة كل الذين تجمعوا حول فتحة جدار الاسمنت. يركض بعضهم خلفي، والبعض الأخر ينتهز فرصة هربي ليأخذ مكاني، ويدفع بجسده نحو فتحة الأسمنت، ليلتصق بالآخرين الملتصقين بعضهم البعض. أدير وجهي إلى الخلف. أرى أحدهم لا يزال يلهث خلفي. يشتد ركضي، ويشتد لهاثه. تهدأ قفزاتي السريعة، ويهدأ لهاثه. أقف فيقف بجانبي. أهم بمحادثته، فيعاجلني بلكمة في بطني. أسارع أضع يدي حول مثانتي. يبادرني: ” إذا كنت تنوي الهرب، لم أتيت هنا؟”. أقول في استجداء:” فقط كنت أريد حماما، وسأعود بعد قليل”. وما أن أكمل قولي حتى تركلني قدم على مؤخرتي، لأحتضن محدثي في وسطه. يبعدني بقبضتيه. يقول للقادم الجديد: “دعه لنر ما سيفعل، ولكن اتبعه إلى الحمام”. أستدير. أكاد أصطدم بعمود النور المطفأ الذي يقف وسط الرصيف. أمشي، والقادم الجديد يمشي بجواري ممسكاً بذراعي. يغمرنا صمت تام. أساله:” لمَ ركلتني من خلفي؟”. ينهرني بصوت غليظ. أقول على مضض :”عفوا. أنا آسف”. نستمر في المشي. يحدق في وجهي حين أنظر إلى البلاط المرصوف بعناية، وحين أرفع عينيّ، وأنظر في وجه عابر يتثاءب فإنه يرسل ومضة سريعة إليه، ثم يعاود التحديق في تفاصيل وجهي. أضع يدي حول مثانتي. أحاول أن أضاعف خطواتي لأطوي الرصيف بسرعة، ومرافقي ينظر إلي بغرابة، ويماثلني المشي، نمر بمجموعة من الأطفال الذين بدءوا يتغامزون ويضحكون لرؤيتنا. أجابهم مرافقي بابتسامة واهتزازة من رأسه المربع الذي أدارة نحوي، ليفجّر ضحكة قوية جعلت الأطفال يأتون بكل ما لديهم من ضحك. مشوا خلفنا. أدوا مشاغباتهم معي بإتقان. يقهقه مرافقي ويهديهم قطع حلوى. بعد أن يمل مرافقي التهريج يأمرهم بأن يعودوا من حيث أتوا. بدأت أهرول، ويحاول أن يشدّني من كمّ ثوبي أهرول، ويهرول معي. يصرخ بي: ” لم تركض هكذا؟” لا أجيبه. أحاول أ ن أضاعف خطواتي. يسألني: ” ألهذا الحد تحتاج الحمّام؟” . أنفاسي تتلاحق: “منذ أكثر من عام، وأنا أقاوم رغبتي” . يتأفف. يتمتم بكلمات غير واضحة. تعابير وجهه توحي بالغرض. ينوي محادثتي. أضع طرف ثوبي بين أسناني. أعض عليه. يداي حول مثانتي. أركض، ويهرول. يشعر بابتعادي عنه، فيركض خلفي. الناس ينعسون على الرصيف، وحين نتجاوزهم يديرون رؤوسهم نحونا، يعلقون بكلمات ساخرة، أو يضحكون فقط. يرهقني الذي يتناثر على جانبي الرصيف: الدكاكين الواسعة. اللوحات الأنيقة. الإسفلت النائم. صناديق القمامة الفارغة. إشارة المرور التي تتيح للسائقين العبور لتحظره عليهم، وكل شيء هاجع ورتيب. أقف فجأة. يقف خلفي مرافقي. أنظر إلى الحمامات المهجورة على الرصيف المقابل. ألتفت نحو مرافقي بسرعة. أبتسم. أشير إلى الحمام. أعبر الشارع ركضاً، وهو خلفي. أدلف الباب الخارجي ويدلف معي. أهم بالدخول إلى الحمام فيشدني من يدي. أفهمه أنه يجب عليه انتظاري في الخارج. يوافقني، فأدخل. الحمام أبيض ومغبر. مغسلة تستند على الجدار بعنق مغروس في الأرض، وصنبور ماء نحاسي تآكل طرفه. مقعد مجوف للداخل به فوهة تخترق غلاف الأرض الخارجي. لتلتهم القاذورات. أجلس على المقعد المغبر، ومثانتي متورمة، بل أني أشعر بامتلاء هائل في أسفل بطني. أنفاسي وعضلات بطني تقومان بعمل مجهد تماما، وما بين لحظة وأخرى أسحب حبل التنظيف الذي يغدق الماء ليدك به قذارتي. أنهض من على المقعد. أنظف جسدي كله. ثم أغسل وجهي. أفتح باب الحمام، وأبحث عن مرافقي في الحمامات المجاورة. أتجه نحو الباب الخارجي. الضوء في الخارج يصفع جبيني النظيف. أتلفت. أبحث عن مرافقي. لا أجده. لا أجد الإسفلت. الدكاكين. اللوحات. الأطفال. الناس. الرصيف والإشارة. لا أجد أي شيء.
نوفمبر 1987م

التراب

حقيبتي المدرسية تساقط كراريس مرهقة. ووجهي كمثل وجه قطتنا السوداء حين يغافلها نوم الظهيرة. أمي تهبني نظرة عجلى، وتتابع المشي نحو حظيرة شاة في ضرعها لبن فيه لذة للشاربين. أقرأ في كتاب الأناشيد:
الـــــــــولد النظيـــــــــــــــف منــــــــــــــظره لطيــــــــــف
وكلنـــــــــــــا نحــــــــــــبه وكلـــــــــــــــــنا ……………
ألحس وعاء اللبن الطازج. تلحس قطتي السوداء معي. أقفز إلى الشارع مخضب الشارب بالبياض، وقطتي السوداء تعتلي جدار جارنا لتبحث عن قط يقاسمها لذة القيلولة. في الجانب المقابل من شارع يغفو ضحى تثني (لولوة) ساقها اليسرى، وتمد الأخرى. تجوس يداها تراباً رطباً، ولسانها يحكي الأماني البسيطة. أمشي نحوها، وصوت أمي يثقبني كل مساء ممل:
– لا تلعب بالتراب يا حمود. التراب للبنات فقط!.
انتصب الآن أمامها:
– التراب للبنات التراب يطير في الدماغ. التراب يميت. التراب للبنات. التراب للبنات. التراب…
على التراب الرطب أمامها أضع قدمي، وأركله. ” لولوة” تنتفض، وبقايا التراب يتطاير بركلها الشقيّ له. تركض ورائي بخفة. أصكّ باب حمّام بيتنا على نفسي، لتدفعه بقوة تفوقني، وتصكّ الباب خلفها. وحيدان نحن، وفي يدها الصغيرة تنام يدي:
– يدك باردة يا حمود!.
وجهي تبدّل، وعين ” لولوة” الجميلة ترفّ في حياء وشوق. أدفعها نحو الجدار بلذة، ليثيرنا صراخ قطتي السوداء الذي ينبئ بألم لذيذ. نرقبهما على هامة الجدار أحدهما يتشبث بالآخر بجنون.
وفي مساحة من السطح نفعل مثلما كانوا يفعلون .
يونيو1988م

المحيميد يؤكد أهمية وجود وكلاء للأدباء.. ومحررين في دور النشر

المحيميد يؤكد أهمية وجود وكلاء للأدباء.. ومحررين في دور النشر

 الدمام – بيان آل دخيل قال القاص والروائي يوسف المحيميد إن وجود وكيل «أدبي» في الغرب يترك للكتاب فرصة الكتابة وتسهيل الإجراءات الخاصة بالمفاوضات وتوقيع العقود مع الناشر، والمشاركة في الحوارات الصحفية والندوات. وأكد المحيميد جدوى وجود وكيل عن الكاتب، موضحاً أنه «لو ظهر وكيل أدبيّ متخصص (في المملكة) سيظهر عدد من الوكلاء سريعاً».

(المزيد…)

كعكة سوداء!!

كثير من الدول والمنظمات والهيئات رفضت الحرب. فرنسا قالت لا! روسيا قالت لا! المانيا قالت لا! الفاتيكان والبابا ومجلس الأمن والجامعة العربية والقمة الإسلامية وأمي ونخل البصرة والخيول التي تجرّ العربات والفتيات والشط والبط المهاجر كلها قالت لا للحرب!
تمثال السياب الذي يدير ظهره لشط العرب قال لا!

(المزيد…)