28 مايو، 2012 | لغط موتى
قيس قاسم – ستوكهولم
..لا، أحد يدرك كم صعب أن أكشف أسرار وكنوز الذين يمرون خفافا في الذاكرة، ليس لأني مثالي جدا، أخبيء ما أعرفه، لا أسر به لأحد، حتى تغص ذاكرتي وتفيض، فيتسرب لغطها كخيط سري داخل صدري، وأنا أواسي كفني في رقدتي الهانئة. ولست أرى الأشياء والأشخاص كما هي، فأنقل تجاربهم، ووقائعهم كما أعرفها تماما، فأكون ناقلا ساذجا للواقع ـ ما الذي أتى بكلمة الواقع هنا ـ لايهم “؛
(المزيد…)
28 مايو، 2012 | لغط موتى
أصدقاء كثر يظنون أنني لا أملك أن أكتب نصّاً طويلاً، رواية مثلا، لأنني لست قادراً على أن أنكبَّ لليالٍ، ولشهور، وربما لسنوات، في مكتبتي الصغيرة، مؤججاً شمعةً عُرفُها ينثني كلما تنفَّستُ مليَّاً، ومن أعلاها يتمشى شمعٌ يحفر بدبيبه، كبشرٍ يتناكبون، ليس عليَّ سوى أن أخطَّ بسواد قلمي على رؤوسهم ملامح وأحلاماً وذكريات، وهزائم وأسراراً ومكائد.. ثم أنضد لهم طرقات وشوارع، سراديب ومكاتب، وسجوناً وقصوراً، ردهات وبيوت صفيح، لأجعلهم يمشون بمشيئتهم إلى مايقودهم من وقائع وأحداث.. إلخ..
آخرون يظنون أن انشغالي كصحفي، يسلب وقتي، رغم أن أكثرهم يعرفون أن الصحيفة التي تشعل هزائمي، كل هنيهة، تعجُّ بوجوه منسوخة، منشبٌ عليها أقنعة مكررة، تهبط من ملامحهم الكلمات ذاتها، والآراء الجاهزة التي ينسلونها من أدراجهم، ثم يسحلون أسمائهم فوقها؛ولو طرقتهم دون قصدٍ فكرةٌ شاردة، وغائرة، نكص أحدهم إلى دورة المياه، ثم قلَّب قناعه تحت خيط الماء، وارتداه ثانية.
لا أحد يدرك كم صعب أن أكشف أسرار وكنوز الذين يمرّون خفافاً في الذاكرة، ليس لأنني مثالي جداً، أخبئ ما أعرفه، لاأسرُّ به لأحد، حتى تغصَّ ذاكرتي وتفيض، فيتسرّب لغطُها كخيط سرّي داخل صدري، وأنا أواسي كفني في رقدتي الهانئة. ولست أرى الأشياء والأشخاص كما هي، فأنقل تجاربهم، ووقائعهم كما أعرفها تماماً، فأكون ناقلاً ساذجاً للواقع- ما الذي أتى بكلمة الواقع هنا – لايهم. ما أردته أنني أصنع شخوصي، وألوي أعناق وقائعهم، فأسوقهم أمامي كالشياه الضالة، أجعلها في سطوة الغبار تدلق سرائرها الكامنة، كما نفعل من اقتحام للمنازل الضخمة، إذا عجَّ مبيد الحشرات الأبيض، في أفنيتها، نعدّ الأعمدة فيها، ونتلمّس أثاث الغرف، قبل أن نسقط غافلين في أثاث النساء الوافرات، فنرتطم باكتناز يرعش كذبيح سقط توَّاً.
أحياناً تنفضني حمّى مديدة، تكثُ فوق جسدي عرقاً أو مطراً، أو جحيماً، حال تذكّري حالات شخوص أفكِّر أن يكونوا أبطالاً لرواية مثلاً. أشعر أن أحدهم، ولنفترض أن اسمه مسعود، سيوقفني في درب مسدود الآخر، ويستجوبني بقسوةٍ أولاً، ثم سيبكي كسيراً، كيف انفلت بصري من أسره، راصداً شهادة تقدير بختم رسمي للوزارة، تزيَّن أعلى سريره، ووساماً يتدلّى فوق الزهور المجفّفة على الكوميدينة لصق السرير؛ ثم سيجذبني من يدي، وهو يشير تجاه بيت ضخم، متفلّق الطلاء، بابه مردوم بسلاسل تتهدّل لتمس الرصيف، وأشجاره الضخمة فائضة وذاوية، قائلاً لي: لماذا لم تذكر أنني عملت هنا سائقاً، وأنني أنتظر صاحب المنزل في السيارة مع الكلاب الضالة، حتى يعرك نعاسي بياضُ الفجر؛ وقهقهاتُه مع أصدقائه المخمورين، وهم ينزلونني من السيارة، آمرين أن أخلع، وأقعي لأبول، مثل كلب، ثم ينهالون بضحكاتهم وركلاتهم، وطَفَر الدمع من عيونهم الذاوية.
ماذا سأقول لمسعودٍ لحظتها، هل أقول أن كثيرين شاهدوك وأنت تقعي وتبول، بالأقل الكلاب الشاردة التي لاذت في طرقات جانبية، وهي تشعر أنها أقوى منك؛ بل لعل أحدها، أكثر حظوة منك، لحظة اتخذته “موضي” ابنتك خليلاً، دلكت له وبره الناعم بالماء والصابون، وقد افترشت له سماطاً مزخرف الزوايا بزهور وردية، في مساحة جانبية من سطح منزلك الحجري، قرب حجرتها، وقد اعتزلت الأهل والأقارب والناس، وقادته خاضعاً ودوداً إلى حجرتها ببابها الحديدي؛ لم يكن صرير الباب ذاك الذي يعلو في الظهيرات، بل كان هسيسه ممتنّاً، ودائخاً، بعينيه اللامعتين، وهو يحس بعضلاته كلها تتخلص من رخاوتها، وتفزّ، فينهض عَجلاً متشمماً، ومن شدقيه يتقاطر جوعه وضلاله، ثم يعلو قليلاً، غارزاً شيئه، هازّاً كبندول ساعة في حوش بيتك الحجري، تاركاً عقداً ينتهي بحلقة نحاسية يجلجل في ظهيرة قانطة، كما الأجراس الضاجّة، في عنق الحمار الساحب عربة الجاز، في شارعك الترابي.
ربما تفجؤني أيضاً “موضي” بقامتها الممشوقة كنخلة ضاربة في واحة ابتلعها الرمل، وهي تحشرني في لوذةٍ طارفة في حارتي التي أسكنها، بوجهها الملائكي الذي غطّت صفرته كل شيء، ستدفعني بجبروتها لصق الجدار، وسأحس بأعشاب الجدار الطيني، الصفراء، الناتئة قليلاً، تخمش ظهري عاتبة، ثم تسألني كوني أحكي عن الكلب الذي ضلَّ الطرقات كلها، والشموس الحارقة، ليسكن بدعةٍ في الظل، مغمضاً تحت المياه الباردة، التي تسللت مخلوطة برغوة الصابون، من مثعبٍ فاض بعنقه، إلى الشارع الترابي، وتراقص تحت خيط الماء الهابط أولادٌ أشقياء وشاردين.
لماذا لم أذكر، بالأقل، خيباتها وهزائمها الكبيرة، كان يلفظها الموظف الحكومي بلحيته المشذّبة بعناية، في بيت الأهل الحجري، مردّداً وهو يدير مسبحته كمروحة، في مدخل البيت:
“بنتكم ورجَّعناها لكم”.
ورعبي لحظتها، إذ لم يقل لي أبداً، ماذا كان ينوي أن يفعل طول الطريق، مسافة ثمانين كيلاً، من القرية التي عشت فيها معه؛ فقط عرفت أنني في زيارة الأهل. تماماً كما لم أعرف أنني أُزفُ تلك الليلة البعيدة، فقط ثلاثة عشر حلماً حلمتها، آن حملوني بحجة أننا في نزهة بريّة، حيث قرية جنوب المدينة، هناك أدخلوني قصراً على حوافّ جدرانه العالية أضاءت لمبات حمراء؛ قالوا سنحضر حفل زفاف، وفي غرفة ضوؤها خافتٌ جلستُ، بصحبة امرأة بدينة، خضَّبَت أصابعي، وأرخت شعري الوافر، وحكت كلاماً غامضاً لم أدركه، حتى دخل بلحيته المصبوغة والمشذّبة بعناية، هامزاً كفّها بورقة نقدية، ثم غبتُ عن كل شيء، حتى الصباح الذي تقافزت على درجات سلّمه أسطوانة غاز أيقظتني. هل تعرف معنى أن تستيقظ عروسٌ على رنين اسطوانة، ولغط خارج غرفتها.
ستشدني ربما “موضي” من ذراعي، وتهمهم بصخب ناقة شرسة، عن قذارتي، وحجبي لكنوز غيّرت حياتها، بينما أحكي عن أسرار لاتهمّ كثيراً، كما عن إبنه الذي يبقى معي، ومع زوجتيه الأخريين، ضحى يغيب أبوه الموظّف، في دائرة الإمارة في المدينة، ليهتم الإبن بالنخل والسقاية، ثم يتسلل إليَّ؛ وكما يدلق فنجان القهوة المرّة- الذي أصنعه- في جوفه، يدلق لي مرارة أيامه، وعزله عن تتمة دراسته، لينتهي بأن يحفر بركبتيه أرض الغرفة القاسية، وينفض نشيجُهُ أثوابَ أبيه المعلّقة في الخزانة الخشبية كرجال مشنوقين؛ لماذا تذكر ذلك فقط، دون أن تنقل بصرك الجاحد إلى غرفته الخشبية في السطح، إذ يعرِّفني على صور بالأسود والأبيض تغطي الجدران، لفنانين وأدباء وثوّار وفلاسفة؛ لِمَ لا تسمعه ساعة يحدّد ملامح أبي الغائبة عنّي، حياته وعمله، الشهادة المزينّة بإطار داخل غرفة نومه، الوسام الذي علّقه على زهور الآنية، فجفَّت أو اختنقت، فأسموها زهوراً مجفّفة، أو مختنقة؛ أيضاً أبوه الذي يعمل خفيةً في خبايا دخان البخور الأبيض. كيف تشوّهه، وكل ماتذكره عنه، بعض هراء مؤلف فاشل، بأن تصفه بذي الالتفاتة المرتبكة، والعينين الزائغتين، والغموض الذي تفرضه الحمائم إذ تتبعه بأجنحة صفّاقة، وهي تطير من جذع لآخر، وكأنما تنبئ بقدومه؛ هل يكفي تسميته بالرجل المتبوع بالحمائم أنّى اتّجه، أيكفي أن تختتم سيرته في روايتك، بأنه فتح الباب، في مساء نفضتْ أشجارُهُ أقراطَها، لطارق مباغت، ثم اختفى هو، ومن دقَّ الباب، وكأنما ابتلعه رمل الدهناء، مثلاً.
سأقول لحظتها لموضي، وأنا أخلّص ذراعي من قبضتها، بأنني فعلاً لا أعرف أين اختفى، من التقطه، هل هرب، ضلَّ، تاه، سجن، ارتفع.. لست أعرف كلّ شيء.
ستقذفني بعين ناشزة، وحارقة؛ وحاجبيها يتجاذبان بشدّة، إذ تلومني، وهي تهمس، بأنني عرفت أين اختفى الكلب، وهو مجرد كلب، كيف أوثق عليه داخل كيس خيش، طُوح به في حوض سيّارة نقل صغيرة، شقَّت به الطرقات النائمة، وعلى أميال من طريق برِّي مهجور، حُذف بالكيس على صخرة، وهو ينبح، فأمطرَتْه حجارةٌ جعلت نباحه يخفت، حتى صار يهسُّ مع ركل ضعيف لقائمتيه، حتى خمد الكيس تماماً.
ستشدّني من ياقتي، ثانيةً، موضي، وهي تجأر، كيف عرفتَ أين غبتُ، بعدما سأل الطبيب الشامي بنظارتيه الدائريتين المعقودتين بسلسلة فضيّة، جدّي وأبي، وقد فحصني، إن كان ثمّة حيوانات في البيت، فهزَّ أبي رأسه نفياً، إلى أن صدحت لهما أختي الصغرى، أن كلباً يتجوّل في الأعلى، فقلب لحظتذاك جدّي فنجانه فوق جمرات موقد لم يترمّد بعد، حتى علتْ غيمةُ دخان تخلّلت لحيته الهائجة؛ جدّي الذي لا يفرِّط بحبّة قهوة، تنازل لارتباكه آنذاك عن فنجان قهوة مملوء. كيف عرفتَ إذ اختفيت من الحارة كلّها، لشهور ستة، أنني أودعت، كما يليق بكيس عظام متكلّسة، في مصحّة عزل خارج المدينة المقطِّبة.
أيضاً، ألا تشير، ولو لمحاً، إلى جدّي الذي كشط عظامي المنهالة عن اسمنت السطح بغلاظة، وأمر أبي أن يرميني هناك، معزولةً، إلاّ من حزني.
كثير من أصدقائي، وأنت أحدهم، يقّعدون أسئلتهم قبل أن تشتبك معي أيديها الطويلة، حتى المساء ذاك، الذي مدّت فيه أعناقها، بأنني أنقّل أدواتي وبصري أينما حللت، وأجلو مفرداتي مثل ودعٍ، وأمتطي الذاكرة فاضَّاً بها طفولتي، وطفولة العالم والأشياء؛ كيف، ولم لا تكتب رواية ما، دون أن يشاركني أيٌّ من هؤلاء مسؤولية الوقفة أمام شخوص شائكين كهؤلاء، مسعود، موضي، الرجل باللحية المشذّبة بعناية، الشاب المطوَّق بالحمائم، والجدّ. بل أن ارتباكي ووجلي حيال الأحياء، لا يعادل شيئاً أمام رعبي للأموات كالجدّ، مثلاً؛ وليست الإرتباكة هنا، بفعل شعوري فقط بحضور الأرواح، كحضورها في القط الذي يداهم غرفتي، برهة أكتب، ويسكب الشاي على السجّاد، أو أن يتدلّى فجأة من زاوية السقف، ماثلاً أمام عينيّ، العنكبوتُ المتشبث بخيط دقيق واهٍ لا أراه، وكأنما يلفتني بأن أقف عن كتابة سيرته. أوحضورها بطرقعات الوزغ النافذ من فتحة المكيّف، والشاخص أمامي بعينيه الطافحتين، حتى أتعثّر في المفردة تلو المفردة، وأغصّ في رعبي ورعشتي. أو غفلتي عن الصرصار السائر فوق إطار اللوحة المثبتة على الجدار، حتى يفجعني بأن ينقضَّ بجناحيه، حاطَّاً على ورق الكتابة؛ لم يكن خوفي من أن تحضر أرواح الموتى في هكذا حشرات طائرة، بل تصفّر الريح مثلاً، وبغتةً، من شقوق النافذة، فتجعلني أحياناً، بل كثيراً، أخفض رأسي كمن يتّقي رصاصة طائشة؛ أو أن يخرَّ فجأةً عرف الشمعة، وقد انتهت، فأغرس رأسي بين كتفيّ، يائساً من جدوى إقفال أذنيَّ عن وشوشاتهم، وحفيف أثوابهم، حين يتناولون الكتب من الأرفف المعلّقة على الجدران، نافضين غبارها، مقلّبين صفحاتها، وهم يبلّلون إبهاماتهم، لتنثني معها الصفحات العصيّة.
هكذا أحسُّ كثيراً، أن أحكي عن الجَدُّ، مثلاً، الذي يزجر عين الشمعة البصيرة، فتغمض. رغم ذلك، لم تذبلا بعد عينا موضي الناشزتان، ولم ينفك اشتباك حاجبيها الناشبين في عراك صاخب، إذ تلمح إلى الجدّ الذي تغافلته، ولم أشر إلى سطوته. كيف سأقول أنه زجر الشمعة مرّة، وحين أشعلتها مسَّها بإصبعيه، فنامت ثانية، وفي ظلمة الغرفة تسلل نشيجه خافتاً متقطّعاً، خفَّ قليلاً بعدها، متبوعاً بآهات طويلة ونافذة؛ وسمعته، كأنما يحدِّثني، بغرغرات تشبه لغط موتى أو مجانين، كما لو كان يلمح أنني أعطي الحق كلّه لهؤلاء الأحياء السذَّج بأن يحكوا، يثرثرون برهة، ويكذبون بُرَهاً، نعم، كذبوا كلّهم عليَّ، مستغلين موتي، وعدم قدرتي على كشف أباطيلهم، ناسين أنني أتتبعهم خطوة خطوة، أشرنق خطوهم إن شئت، أعدّ أنفاسهم الزائدة، فهذه المخبولة موضي، العائشة في سَعَدٍ الآن، مع صغارها أشباه القطط، لم تعرف أنني خطفتُ صغيرها من سنتين فائتتين، إذ كنت أرقد، ليس في قبري، بل خرجتُ أتنزّه، ولمّا تعبتُ، التجأت إلى خلوة المسجد، الذي أخذتني فيه غفوة، لا أعرف مقدارها، حتى غمر الخلوة ماء المجاري، مالئاً مايفيض عن ثلثي سلمّ الدرج الحجري، المفضي إلى فناء المسجد؛ فسمعت في انتباهتي صوت صغيرها يطشّش الماء، أعلى السلّم، فانزلقتُ كسمكة في غمرة الماء، صاعداً السلّم، لأشدّه من يده الناعمة المبتلّة نحوي، لابدّ أنهم قالوا لك أنه غرق، وأن أباه، في ذلك النهار الرمضاني، هالَهُ الصوتُ، فهام بسرواله، وفانيلته، فمه فاترٌ برائحة العَرَق البلدي، لينكفئ على ماء المجاري الطافحة في أعلى السلّم، يشربه صارخاً، وكأنما يشرب رائحة صغيره. لستُ قاسياً وقد شددت الصغير من يده، لكنني أحتاج من يشرذم معي وحدتي. ألا ترى أننا- نحن الموتى- ندفع الوحدة والوحشة عنَّا كمن يبدّد بحفيفه وصوته شراذم أناس لاهين يطأون على رؤوسنا ساعات نعاسنا.
وإذ يتوقف الصوت ورائي، أسمع خشخشةً، وكأنما يلبس نعلي، ليخرج. ألتفتُ بغتة، فلا أجده، رغم الصوت الذي يمحو ظلام الغرفة، قائلاً إنما لم يكن فظّاً، كما تفضِّح العاقّة، بل أنني أتنازل عن أملاكي وحقوقي لها، ولأمها؛ هل سمعتَ أنني فقدتُ غرفتي الوحيدة في بيتي؟ متى؟ ستسألني لابدّ؛ حسناً، عند وضع أمها آخر ضناها، في غرفتي، صفّوا أشيائها، ورتّبوها لكي أعود أسكنها ثانيةً، لكنني لم أعد، لم يسألني أحد، لأنهم حال تخفى عليهم أفعالي، يرددون في سرّهم، أو همساً: أنني خرّفت. ليس خرفاً ذاك، بل تأمل طويل، وحدها البنت الصغرى التي أسرّت إلي بالكلب الساكن في الأعلى، تسألني عمَّا إذا كنت سأعود إلى غرفتي. قلت لها، فيما أذكر، أن التي تلد، مثل أمها، تكون بحاجة إلى من يساندها في محنتها، كالملائكة مثلاً؛ وبعد أن تنجو من حالتها تلك، لابد أن تخرج مع مولودها من الغرفة، لحظتها، ستظل الملائكة تتجوّل بأجنحتها الرهيفة داخل الغرفة؛ لا تدري ماذا تفعل، كأنني أخشى إن عدتُ أسكن الغرفة معها، أن تجد فيَّ عملاً، فتأخذني بعيداً عن البيت، وربما عن الدنيا.
سمعتُ صوتاً، يشبه صوتي، يجرِّح هدأة الغرفة: والشياطين ألا تحضر؟. فواصَلَ هاذياً، كأنك تدرك السرَّ الذي أسلكه مع شبيهتي، تلك الصغرى، إذا رجعت من دكاني الراقد في قاع المدينة، ظهراً، أحاول إشغالها عن نوم أراه يدلّي رجليه من على جفنيها، فأخرج من جيبي مرآةً دائرية صغيرة، نكشتها مرةً من برَّاية بلاستيكية خضراء، لأجعل انعكاس الشمس الساقط عليها يتقافز على الجدار المقابل، وكأنما هي عين شيطان زائغة، فتحاول هي بشغبها أن تصفع الضوء بيدها، أخبرها آنذاك أنها إن خبطت هذه العين الزائغة، فإن الشياطين لن تزعجها في الظلام، حين النوم، لأنها تكون قد تخلّصت منها في الظهيرة.
هكذا كنت أحسُّ بفزعي إذ أنصت للموتى، ساعة ينفضون مكتبي، ويلبسون نعليّ، ويرتشفون من كأس الشاي قبلي. فيكف إذاً سأحضرهم معي، على طاولتي، وبمشيئتي، بينما هم يفجأون عالمي وتأملي دائماً أن ألمحهم يجرّون برازخهم ورائهم. هل كانوا يشتّتون حياتي الشائكة ببرازخهم، أم أنني أصلاً، ومنذ سنوات، أرقد في برزخي الهانئ، وإذا مللت السكينة أزحت غطاء رأسي، المشبوك ببرنسي، وجلْتُ قليلاً، ثم انثنيتُ أكتب كما الآن. وزاد احتمال ذلك أن ماأكتبه لم يره أحد، فهل أنا كتبت شيئاً، أم أنها أضغاث موتى؟.
لم أقل لمن يرى أن أكتب رواية أنني كتبت كثيراً، أو ربما هجست فقط- دون أن أكتب- في شخوص ووقائع وأماكن غريبة، وظننت أنني نضدت خيوط حكاية ما، لكنني على أيّ سفّهتُ بصديق أهداني محاضرات كاتبة انجليزية حول كتابة فن الرواية، وكيف نضع جدولاً نرتب فيه فصول الرواية، وتفاصيلها، ثم نصنعها، بأن أعدت إليه كتابه، دون أن أقول له، أن كتابة رواية تحتاج إلى فكيّن شرسين، لا يكفّان عن الهذيان.
28 مايو، 2012 | لغط موتى
هذه الرواية هي من نمط “الميتا رواية” وهي تعتمد على روائي يحاول أن يكتب رواية ثم يفشل، بسبب سطوة الشخصيات ومحاولتهم تدمير مشروع كتابته، فكلما جلس إلى طاولة الكتابة وأشعل الشمعة بجواره، وجد أحدهم يجلس على الطاولة، يحاول أن يطفئ الشمعة، والأخرى تحاول أن تشرب كأس الشاي، أو تلبس نعله بجوار الباب.
لم يقتصر الأمر حول ذلك، بل أن كتابة الروائي عن الموتى من الشخصيات، جعلتهم يظهرون أمامهم ويثيرون اللغط والفوضى في حجرته، ويحاجونه ويقاطعونه فيما يكتب من أفكار عنهم وعن غيرهم، يعدلون في نصه، لم أشرت إلى هذه الحادثة، ولم تشر إلى تلك، وهكذا.
اعتمدت الرواية في مطلعها على تفسير الروائي لعدم قدرته على كتابة رواية، من خلال إجابته على سؤال زميل له: لم لا تكتب رواية؟ وبعد عدد من المقاطع التي تمثل رسائل إلى الصديق، ومعاناة في إرسالها إليه، وتلصص الشخصيات على ما يرسله إلى صديقه عبر الفاكس والبريد، يكتشف في النهاية إنما كتب رواية ناجحة.
27 مايو، 2012 | النخيل والقرميد
الكويت- البصرة
1980م
يا إلهي!! ما الذي يجعلني أتذكر الآن شط العرب في البصرة وقد جلست على الكورنيش هناك عام 1980م، أي قبل أن تندلع الحرب العراقية الإيرانية بشهر واحد فقط، ما الذي أحضر البصرة والشط، والمراكب التي تتأرجح بسلاسة وفتنة في ليل الشط، ما الذي
(المزيد…)
27 مايو، 2012 | لا بد أن أحداً حرك الكراسة
غراب
كأجنحة غربان هائمة تصطف أحذية حول العتبة، وعصي خيزران معقوفة الأعالي تستند خانعة، دائخة لصق الباب. يفر كل فينة غراب مصطفقا، تقوده عصا تفض الطرقات. فقط غراب أسحم ظل جامد لا يفر، ولا ينقر الإسفلت، وعصا وحيدة ظلت متكئة دون ملل، حتى بعد أن ثنت أصابعها الشمس، وخبأتها؛ وليس في الداخل وشيش أنفاس تتطارد فوق سجاجيد حمراء ممدودة، لا نهنهات خافتة، لا ترتيل تتماوج نافذة من الشبابيك، أو من الباب الموارب، ليس سوى عصا وحيدة لا تعرف كيف له أن يمضي لأي مكان، دون أن تقوده، دون أن تغسل وحدته: تبا ليد فظة شدت طمأنينته. فكرت العصا، ثم سحت قليلا على الإسفلت، وغفت بين حذاءين عتيقين.
هدأة
الغرفة صفراء، النبتة تعانق الجدار مثل برص صفراء، الجدران، السقف، البحر في اللوحة أيضا أصفر، الستارة وقد كفت عن التلويح، إذ تعترك وهواء النافذة، الشرشف الذي يرقد مثل صخرة، أنفاسه التي باعدت بدءا، ثم ذابت، كل شيء وضع يده في الهدأة، ما عداها، تلك الساعة القابضة برودة معصمه، لم تزل تتك بأنفة، وغرور.
ذبابة
ساكنة الدنيا وهي تتلفع بعباءة ظهيرة قائظة. العربات تحبو دونما ضجة منبهاتها. الإشارة النابتة في طرف الرصيف تغمز بألوانها دون ابتسامة. صفحة جريدة مدعوكة تنقض كل فينة كضفدع، قافزة بفعل الأطارات اللائبة، دون أن تنشر عن ظهرها صور الأبيض والأسود، كأنما تقبض الصور بتلابيب مبنى الجريدة العتيق. الشمس الحارقة تسيل ذوبانا من أعالي البنايات، وتجري في عرض الشارع، تنثال على الجسر المعلق القاطع، تنساب على سقوف العربات الواقفة، على زجاجها، على ظهر عربة سوداء، على نافذتها الحديدية المواربة نحو الأسفل، على يد قابضة، فائضة بعراء أظافرها.
ساكنة الدنيا، الناس، الدكاكين، مظلاتها الشراعية الملونة، والجريدة أيضا، ليس سوى إشارة تقلب وجهها، ويد عارية الأظافر ترفع وسطاها كل فينة، كأنما تهش ذبابة رازحة الوطأة.
الذبابة أيضا
على الحافة، تفرك يديها ندما، أو حسرة على العالم، قبل أن تدخل، بعتة، في الظلمة تحت المذبَّة.
خرزة
كقوس تكنس بخطمها سلم البيت الحجري، المؤجر مؤخرا، راكلة بصعوبة الضحكة أماماً، دون أن تطير أنفاسها غبار الرخامات، دون أن تئن: “متى تبني بيتا؟”. كيف، يا إلهي، انفلتت بغتة في زحمة اللهاث، على بلاط الصالة العلوية، خرزة زرقاء من ظهرها. همست، وقد سمعت فرقعة صغيرة: لا بد أنها من ظهرها المحني آتية، وهي تحاول عنيدة أن تدفع جذعها أماما أكثر، ثم تقيمه خلفا، كناقة شرسة، وأنا، كل برهة، أكف كفي المتضرعة لإمساكها: “ما طحت”، بغضب تردني.
وإذ أراقب كفها الهائمة في الهواء، لمحت خاتما عتيقا غاليا في إصبعها، متوج رأسه بحفرة غائرة، ربما نامت فيها لسنين خرزةً ما، ربما كانت أيضا زرقاء.
رأس
بأناة تدفع قدمين، تنكشان كل فينة حجرا صغيرا، قشة، علبة صفيح فارغة ساقطة في الفناء، تنحني لهنيهة تحرك بأصابعها شيئا،تتفحصه. أسراب صغيرة خلفها يئن قماش مراييلهن، إذ تشده نحولة سيقانهن، لحظات يخطون سراعا، بأعين مشبوبة، نابشة في التراب دونما ملل.
بيباس غصن تقترب، ناكشة به ريش العصفور المطروح، تنحني باحثة عن رأسه المنزوع، ثم تجيل بصرها عن الأسراب الساعية حثيثة، فتطمئن.
بعد أن داخت لاهثة أقلام التلوين فوق بياض الكراس، نفض العصفور رشه الملون، وحدق نحوها، ثم فتح منقاره ممتنا، لحظتها، وقفت بجوارها البدينة، وقطبت، ملتقطة قلما أسود، لتخط خطا سميكا، به قطعت عنق العصفور: “رسم الأحياء حرام”. وإذا انصرفت نحو طاولتها عند الباب، قرب السبورة، كانت الصغيرة خافضة عينيها، تطالع عصفورها الملون، وبأصابعها تجس الخط السميك القاطع، ثم تحدق بغتة صوب حقيبة البدينة الموضوعة على الطاولة، فترى نفسها تفز عجلة، لتفتش قاع الحقيبة الجلدية حال حلق حول وردة أذنها زقزقة خافتة، ولما لم تجد شيئا، انفرطت عبر السلالم الحجرية، وفضت وحدها الفناء، والزقزقات تنهال فوق رأسها، لكنها لم تجد أيضا شيئا، كما لم تجد العصفور ذاته، وهي نافذة الفصل المدلوقة على الفناء، لمحت عصفورا يقف بقائمتيه على إطار النافذة، يزقزق دونما رأس، فهمست لنفسها:
“لا بد أن أحدا حرك الكراسة فوق طاولتي”.
أصابعي تعرك فروتك
أجنحة
وقد رفعت ذراعيه آالعاريتين، راحت تطوف حوله باحثة، تدمدم: أين ذهبت؟ ولما لم تجدها نفضت عباءتها المطوية في الخزانة، وأدخلت ذراعيه في شقيها، وبعد أن خبطته على عنقه، همست في ظلام غرفتها: طِرْ.
دعوه
ظننته يجيب: إلى لا مدى، لحظة سألت: لو أبحر أين سينتهي؟ فآنثال عجلاً: في فمي. ومُذاك، ظلّت تشد بأصابعها شراع قاربها، وتلْمحُ عرضاً أن الساحل يطفر بالزَّبَد.
خيانة
حال رش عتبة منزلها بِنِثارِ كفوف الورد المحنّى، وبعدما التهمته العطفة آخر الشارع، صكت أسنانه، كأنما أدركته حشرجات نثار وورد آستسلم اللحظة لوطأة حذاء غير آبه.
مساء أخير
في الغفلة، تصعد شادة معها المساء، وخلف الملاءات الراشحة، المثبتة بملاقط، تقطف النجوم، نجمة تلو أخرى، وقبل أن تمتلئ سلتها البيضاء شدت- دون قصد – من عنقه الغليظ السماء، فأطبق.
دببة
واحدا واحدا، انسكبت مصابيح الغرفة خارجا، آخرها ضوء طاولة السرير، المحبب قماش قلنسوته، وهو يفر من شق الباب، غير أن الأصابع الاثنتي عشرة ظلت تحدق. ولأن لا نأمَة، لا صوت، سوى أزيز النوابض إذ تقلبت، ركلت بكاحلها المزين بدببة صغيرة، حتى أن دُبّاً، بفروته الناعمة، توسد ذراعها:
“البارحة، أصابعي تعرك فروة رأسك”.
قناديل أشدّ وطأة
وَله
غارساً عينيه الساهرتين في حضنه، يخز بقسوة ريشته السطح الناعم للورقة، خضراء تتساقط الكلمات، راجفةً، محفوفةً بالوله. بعد أن ارتمى شارع المطار القديم في حضن المدينة الساخن، توقفت الحافلة، وحطَّ، للمرة الأولى، قدمه المرتبكة على ساحة المدينة. وبعدما دفن قلمه فوق حامل أذنه المغمورة بشعره الهائش، قبض أول المارين لصقه من ذراعه، سائلاً عن دائرة البريد.
رجل وامرأة
كلما عانقت أصابعه الطويلة ضفائر الشمس الرخوة، وشدها إليه، يغرق الأفق في أول العتمة. وكلما أنتشر قطيع الظلام بسواده البهيِّ، تلصصت بأعينها الجاحظة المصابيح الرفيعة، المحنية بسخاء، كاشفة عراء الشوارع. أيضاً، كلما، ضج الليل بالضوء ثانية، وحيث لا يضمهم مقعد حجري لشخصين في حديقة عامة، يفران كخفاشين بأجنحة ناعمة، بحثا عن ظلمة أخرى.
فِعل
بالعربات البلاستيكية، بالقضبان الملتوية ذاتها، تنطوي القاطرة داخل صندوقها. السيارات ملونة تأوي في مواقفها. والعرائس بشعورها الذهبيِّة الهائشة، وأعينها إذ تنقفل حالما تسترخي فوق أسرتها. أيضاً هي، وقد رتبت هذه الأشياء، استكانت مغمورة ببطانية صوف ذات وردتين صفراوين كبيرتين.في آخرة الليل، خفت ثلوجة الحيطان في غرفتها، فهبطت العرائس بشعورها الذهبية الهائشة، وأعينها المتلصصة نحو الباب، لتحاوله.
ناصر
أبواب المنازل واحدا واحدا، يفضها، بالمفتاح ذاته مسنوناً لحظة اصطخابه العارم داخل الأقفال، متبوعا بنوض برق، وكركرة سماءات عالية… ألخ.
وقد أدرك الأبواب كلها دون أن يدركه الصبح، لفظة الشارع المظلم، وخلف آنعِطافَته الأخيرة انفرطت خمسون سنة…..
…….
الشارع راكد ما تبدل، والمنازل أبوابها مقفلة. فقط ثمة سعف نخلات ترعش متواطئة إذ تفيض من وراء حيطان المنازل الشائخة.
سيرة
بعد أن آستوى جذعه الناحل، وأضاء، بنيا، زغب خفيف فوق شفته، قاسمه صديقه في الصف الدراسي قلماً رصاصياً صغيراً دونما ممحاة، صار يفرك به روحه على صفحات بيض.
لسنوات، بقي مكبأ فوق طاولة، بجسد ناحل يشف ويخبو شيئاً فشيئاً، وروح صغيرة تطفر، بينما رصاص قلمه لا ينقص، بل يتمدد كطريق، حتى تطغا نبضاته المتسارعة في فضاء الغرفة، فينفذ منسربا من كوة الباب.
وإذا لمحه أهله وناسه الأقربون أنكروه.
ريش
ضجة رأسه تهمي بدداً على وسادة غرفةٍ ظلماء تغمره برخاوتها، وإذ يلكز قفا رأسه شيء ما، يشبه فززاً أو نبضاً، يسارع جاسّا بيده كيسّ وسادته الطافي، ثم: لا شيء.
وحال يخطو متخبطاً صوب زر الإضاءة، يخفض رأسه بغتة إثر اصطفاق خاطف لطائر خف فجأة.
الضوء وحده يكشف قماش الستارة ينعس، النافذة تحدق، الجدران تطقطق شاخرة.
الضوء اللعين وحده يكشف الشرشف المنثال أرضاً، يكشف أيضا الوسادة، برؤوس ريشها المسننة تخرق القماش.
موت
منذ سنوات، وقبل أن ينام، يهمز ضاغط المنبه، والمؤشر ماثل أمام الثامنة، فيرن، لينحدر دائخاً إلى العمل.
للمرة الأولى، يضج المنبه في الرابعة، فينحدر، والشوارع تغرق في ظلمتها، سائلا نفسه: لماذا تأخر الصبح؟.
أحدث التعليقات