لا بد أن أحدا حرك الكراسة

27 مايو، 2012 | لا بد أن أحداً حرك الكراسة | 0 تعليقات

غراب

كأجنحة غربان هائمة تصطف أحذية حول العتبة، وعصي خيزران معقوفة الأعالي تستند خانعة، دائخة لصق الباب. يفر كل فينة غراب مصطفقا، تقوده عصا تفض الطرقات. فقط غراب أسحم ظل جامد لا يفر، ولا ينقر الإسفلت، وعصا وحيدة ظلت متكئة دون ملل، حتى بعد أن ثنت أصابعها الشمس، وخبأتها؛ وليس في الداخل وشيش أنفاس تتطارد فوق سجاجيد حمراء ممدودة، لا نهنهات خافتة، لا ترتيل تتماوج نافذة من الشبابيك، أو من الباب الموارب، ليس سوى عصا وحيدة لا تعرف كيف له أن يمضي لأي مكان، دون أن تقوده، دون أن تغسل وحدته: تبا ليد فظة شدت طمأنينته. فكرت العصا، ثم سحت قليلا على الإسفلت، وغفت بين حذاءين عتيقين.

هدأة

الغرفة صفراء، النبتة تعانق الجدار مثل برص صفراء، الجدران، السقف، البحر في اللوحة أيضا أصفر، الستارة وقد كفت عن التلويح، إذ تعترك وهواء النافذة، الشرشف الذي يرقد مثل صخرة، أنفاسه التي باعدت بدءا، ثم ذابت، كل شيء وضع يده في الهدأة، ما عداها، تلك الساعة القابضة برودة معصمه، لم تزل تتك بأنفة، وغرور.

ذبابة

ساكنة الدنيا وهي تتلفع بعباءة ظهيرة قائظة. العربات تحبو دونما ضجة منبهاتها. الإشارة النابتة في طرف الرصيف تغمز بألوانها دون ابتسامة. صفحة جريدة مدعوكة تنقض كل فينة كضفدع، قافزة بفعل الأطارات اللائبة، دون أن تنشر عن ظهرها صور الأبيض والأسود، كأنما تقبض الصور بتلابيب مبنى الجريدة العتيق. الشمس الحارقة تسيل ذوبانا من أعالي البنايات، وتجري في عرض الشارع، تنثال على الجسر المعلق القاطع، تنساب على سقوف العربات الواقفة، على زجاجها، على ظهر عربة سوداء، على نافذتها الحديدية المواربة نحو الأسفل، على يد قابضة، فائضة بعراء أظافرها.

ساكنة الدنيا، الناس، الدكاكين، مظلاتها الشراعية الملونة، والجريدة أيضا، ليس سوى إشارة تقلب وجهها، ويد عارية الأظافر ترفع وسطاها كل فينة، كأنما تهش ذبابة رازحة الوطأة.

الذبابة أيضا

على الحافة، تفرك يديها ندما، أو حسرة على العالم، قبل أن تدخل، بعتة، في الظلمة تحت المذبَّة.

خرزة

كقوس تكنس بخطمها سلم البيت الحجري، المؤجر مؤخرا، راكلة بصعوبة الضحكة أماماً، دون أن تطير أنفاسها غبار الرخامات، دون أن تئن: “متى تبني بيتا؟”. كيف، يا إلهي، انفلتت بغتة في زحمة اللهاث، على بلاط الصالة العلوية، خرزة زرقاء من ظهرها. همست، وقد سمعت فرقعة صغيرة: لا بد أنها من ظهرها المحني آتية، وهي تحاول عنيدة أن تدفع جذعها أماما أكثر، ثم تقيمه خلفا، كناقة شرسة، وأنا، كل برهة، أكف كفي المتضرعة لإمساكها: “ما طحت”، بغضب تردني.
وإذ أراقب كفها الهائمة في الهواء، لمحت خاتما عتيقا غاليا في إصبعها، متوج رأسه بحفرة غائرة، ربما نامت فيها لسنين خرزةً ما، ربما كانت أيضا زرقاء.

رأس

بأناة تدفع قدمين، تنكشان كل فينة حجرا صغيرا، قشة، علبة صفيح فارغة ساقطة في الفناء، تنحني لهنيهة تحرك بأصابعها شيئا،تتفحصه. أسراب صغيرة خلفها يئن قماش مراييلهن، إذ تشده نحولة سيقانهن، لحظات يخطون سراعا، بأعين مشبوبة، نابشة في التراب دونما ملل.
بيباس غصن تقترب، ناكشة به ريش العصفور المطروح، تنحني باحثة عن رأسه المنزوع، ثم تجيل بصرها عن الأسراب الساعية حثيثة، فتطمئن.
بعد أن داخت لاهثة أقلام التلوين فوق بياض الكراس، نفض العصفور رشه الملون، وحدق نحوها، ثم فتح منقاره ممتنا، لحظتها، وقفت بجوارها البدينة، وقطبت، ملتقطة قلما أسود، لتخط خطا سميكا، به قطعت عنق العصفور: “رسم الأحياء حرام”. وإذا انصرفت نحو طاولتها عند الباب، قرب السبورة، كانت الصغيرة خافضة عينيها، تطالع عصفورها الملون، وبأصابعها تجس الخط السميك القاطع، ثم تحدق بغتة صوب حقيبة البدينة الموضوعة على الطاولة، فترى نفسها تفز عجلة، لتفتش قاع الحقيبة الجلدية حال حلق حول وردة أذنها زقزقة خافتة، ولما لم تجد شيئا، انفرطت عبر السلالم الحجرية، وفضت وحدها الفناء، والزقزقات تنهال فوق رأسها، لكنها لم تجد أيضا شيئا، كما لم تجد العصفور ذاته، وهي نافذة الفصل المدلوقة على الفناء، لمحت عصفورا يقف بقائمتيه على إطار النافذة، يزقزق دونما رأس، فهمست لنفسها:
“لا بد أن أحدا حرك الكراسة فوق طاولتي”.

أصابعي تعرك فروتك

أجنحة

وقد رفعت ذراعيه آالعاريتين، راحت تطوف حوله باحثة، تدمدم: أين ذهبت؟ ولما لم تجدها نفضت عباءتها المطوية في الخزانة، وأدخلت ذراعيه في شقيها، وبعد أن خبطته على عنقه، همست في ظلام غرفتها: طِرْ.

دعوه

ظننته يجيب: إلى لا مدى، لحظة سألت: لو أبحر أين سينتهي؟ فآنثال عجلاً: في فمي. ومُذاك، ظلّت تشد بأصابعها شراع قاربها، وتلْمحُ عرضاً أن الساحل يطفر بالزَّبَد.

خيانة

حال رش عتبة منزلها بِنِثارِ كفوف الورد المحنّى، وبعدما التهمته العطفة آخر الشارع، صكت أسنانه، كأنما أدركته حشرجات نثار وورد آستسلم اللحظة لوطأة حذاء غير آبه.

مساء أخير

في الغفلة، تصعد شادة معها المساء، وخلف الملاءات الراشحة، المثبتة بملاقط، تقطف النجوم، نجمة تلو أخرى، وقبل أن تمتلئ سلتها البيضاء شدت- دون قصد – من عنقه الغليظ السماء، فأطبق.

دببة

واحدا واحدا، انسكبت مصابيح الغرفة خارجا، آخرها ضوء طاولة السرير، المحبب قماش قلنسوته، وهو يفر من شق الباب، غير أن الأصابع الاثنتي عشرة ظلت تحدق. ولأن لا نأمَة، لا صوت، سوى أزيز النوابض إذ تقلبت، ركلت بكاحلها المزين بدببة صغيرة، حتى أن دُبّاً، بفروته الناعمة، توسد ذراعها:
“البارحة، أصابعي تعرك فروة رأسك”.

قناديل أشدّ وطأة

وَله

غارساً عينيه الساهرتين في حضنه، يخز بقسوة ريشته السطح الناعم للورقة، خضراء تتساقط الكلمات، راجفةً، محفوفةً بالوله. بعد أن ارتمى شارع المطار القديم في حضن المدينة الساخن، توقفت الحافلة، وحطَّ، للمرة الأولى، قدمه المرتبكة على ساحة المدينة. وبعدما دفن قلمه فوق حامل أذنه المغمورة بشعره الهائش، قبض أول المارين لصقه من ذراعه، سائلاً عن دائرة البريد.

رجل وامرأة

كلما عانقت أصابعه الطويلة ضفائر الشمس الرخوة، وشدها إليه، يغرق الأفق في أول العتمة. وكلما أنتشر قطيع الظلام بسواده البهيِّ، تلصصت بأعينها الجاحظة المصابيح الرفيعة، المحنية بسخاء، كاشفة عراء الشوارع. أيضاً، كلما، ضج الليل بالضوء ثانية، وحيث لا يضمهم مقعد حجري لشخصين في حديقة عامة، يفران كخفاشين بأجنحة ناعمة، بحثا عن ظلمة أخرى.

فِعل

بالعربات البلاستيكية، بالقضبان الملتوية ذاتها، تنطوي القاطرة داخل صندوقها. السيارات ملونة تأوي في مواقفها. والعرائس بشعورها الذهبيِّة الهائشة، وأعينها إذ تنقفل حالما تسترخي فوق أسرتها. أيضاً هي، وقد رتبت هذه الأشياء، استكانت مغمورة ببطانية صوف ذات وردتين صفراوين كبيرتين.في آخرة الليل، خفت ثلوجة الحيطان في غرفتها، فهبطت العرائس بشعورها الذهبية الهائشة، وأعينها المتلصصة نحو الباب، لتحاوله.

ناصر

أبواب المنازل واحدا واحدا، يفضها، بالمفتاح ذاته مسنوناً لحظة اصطخابه العارم داخل الأقفال، متبوعا بنوض برق، وكركرة سماءات عالية… ألخ.
وقد أدرك الأبواب كلها دون أن يدركه الصبح، لفظة الشارع المظلم، وخلف آنعِطافَته الأخيرة انفرطت خمسون سنة…..
…….
الشارع راكد ما تبدل، والمنازل أبوابها مقفلة. فقط ثمة سعف نخلات ترعش متواطئة إذ تفيض من وراء حيطان المنازل الشائخة.

سيرة

بعد أن آستوى جذعه الناحل، وأضاء، بنيا، زغب خفيف فوق شفته، قاسمه صديقه في الصف الدراسي قلماً رصاصياً صغيراً دونما ممحاة، صار يفرك به روحه على صفحات بيض.
لسنوات، بقي مكبأ فوق طاولة، بجسد ناحل يشف ويخبو شيئاً فشيئاً، وروح صغيرة تطفر، بينما رصاص قلمه لا ينقص، بل يتمدد كطريق، حتى تطغا نبضاته المتسارعة في فضاء الغرفة، فينفذ منسربا من كوة الباب.
وإذا لمحه أهله وناسه الأقربون أنكروه.

ريش

ضجة رأسه تهمي بدداً على وسادة غرفةٍ ظلماء تغمره برخاوتها، وإذ يلكز قفا رأسه شيء ما، يشبه فززاً أو نبضاً، يسارع جاسّا بيده كيسّ وسادته الطافي، ثم: لا شيء.
وحال يخطو متخبطاً صوب زر الإضاءة، يخفض رأسه بغتة إثر اصطفاق خاطف لطائر خف فجأة.
الضوء وحده يكشف قماش الستارة ينعس، النافذة تحدق، الجدران تطقطق شاخرة.
الضوء اللعين وحده يكشف الشرشف المنثال أرضاً، يكشف أيضا الوسادة، برؤوس ريشها المسننة تخرق القماش.

موت

منذ سنوات، وقبل أن ينام، يهمز ضاغط المنبه، والمؤشر ماثل أمام الثامنة، فيرن، لينحدر دائخاً إلى العمل.
للمرة الأولى، يضج المنبه في الرابعة، فينحدر، والشوارع تغرق في ظلمتها، سائلا نفسه: لماذا تأخر الصبح؟.

رجل تتعقبه الغربان: ملخص الرواية

رجل تتعقبه الغربان: ملخص الرواية

يظهر خيط السرد بطريقة جديدة، لا تبدأ بالحاضر، وحظر التجول في مدينة الرياض، أو أربعينات القرن الماضي، ورصد المدينة المحصَّنة بأسوارها الطينية فحسب، وإنما القفز بالزمن في مغامرة مختلفة نحو المستقبل، من خلال منظار روسي...

أكمل القراءة

تلك اليد المحتالة – مختارات

تلك اليد المحتالة – مختارات

لبس ما ظنه الرجل الجالس أمام النافذة حمامة بيضاء بأربعة مناقير وعُرف… كان قفازًا منفوخًا ليد هاربة من وباء، دفعها الهواء بخفَّة. هكذا اكتشف الرجل الوحيد في عزلته. طائرات كلما انفتح باب السوبرماركت الكهربائي عن...

أكمل القراءة

في مديح القاهرة

في مديح القاهرة

ذاكرة الدهشة الأولىقبل ثلاثين عاما تقريبًا، تحديدًا في يناير من العام ١٩٩٢ زرت القاهرة لأول مرة في حياتي وأنا في منتصف العشرينات. جئت لوحدي لأكتشف معرض القاهرة الدولي للكتاب في مقره القديم بشارع صلاح سالم. لا أعرف...

أكمل القراءة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *