الحمام لايطير في بريدة رواية لا يمكن أن تكون إلا سعودية

29 مايو، 2012 | الحمام لا يطير في بريدة | 0 تعليقات

د. ناصر الحجيلان

صدرت هذا العام رواية بعنوان: “الحمام لا يطير في بريدة” للروائي السعودي يوسف المحيميد. وهي رواية لا يمكن أن تكون إلا سعودية، ليس بسبب المكان الذي جرت فيه أغلب الأحداث، وإنما لخصائص المكان ذاته الذي تظهر فيه ثقافة البيئة وجميع عناصرها في شخصية سعودية تُبرزها طبيعة الأحداث والعلاقات البشرية والكود الثقافي الخاص بهذا المجتمع.

ويضم العنوان كيانين هما: “الحمام” الذي يمثل للقارئ ذلك الطائر الجميل المحبوب عند الناس في القرى والمدن، ولهذا فإنه يلقى رعاية خاصة من بعض الأسر في تربيته والعناية به وتخصيص أماكن له في صناديق توضع في أماكن مرتفعة على جدران المنازل القديمة أو في أسطح المنازل، ويرتبط به الناس وخاصة الأطفال من خلال علاقة عاطفية رمزية. والمكون الثاني هو “بريدة” التي تعني مدينة بريدة في منطقة القصيم، وهي تشير إلى ذلك المكان بمكوناته الثقافية.
ومن يقرأ الرواية ربما يجد أن هذين الكيانين لا يعنيان الدلالة السابقة بالضرورة، فمعظم أحداث الرواية جرت في مدينة الرياض، أما بريدة فهي ترد على أنها مكان لوالد بطل الرواية “فهد السفيلاوي” وأجداده، وقد هجرها والده وعاش في الرياض. ويلاحظ أن والده ارتبط بهذه المدينة بعلاقة سلبية منذ ولادته وحتى طفولته؛ ففي شبابه اقتيد منها إلى السجن، وفي آخر حياته اختطفه الموت وهو في طريقه إليها، بما يوحي بأن هذه البيئة هي التي قضت على والده. أما الحمام فإنه يرد في الرواية حينما ذهب “فهد” مع ابن عمه “ياسر” إلى السطح ليريه الحمام محاولا التحرّش به، وظل الحمام يرد في ذهن فهد لاحقًا ويجده في رسوماته ويعثر على ريش الحمام فوق ثوبه في مواقف عصيبة. وكأن دلالة هذين المكونين تبدو مختلفة؛ فبريدة لا تعني المكان المعروف بقدر ما ترمز إلى البيئة السعودية بصورة أشمل بما فيها من خصائص ذاتية، ويرمز الحمام إلى ما يوحي به الانعتاق من هذه البيئة بما فيها من قيود وعراقيل لا يستطيع أن يعيش فيه الحمام بحريّة وسلام.
وقد كتبت الرواية بطريقة تعتمد على تداعي الأحداث وتداخل الأزمنة في ذهن البطل وهو شاب عشريني ابتعث مؤخرًا للدراسة في بريطانيا، وحينما كان جالسًا على مقعد في قطار متّجه من محطة ليفربول بلندن إلى مدينة “غريت يارموث”، التي سيدرس فيها، تعلّق بحدثٍ من آخر ما حصل له في الرياض حينما قبضت عليه الهيئة في مقهى ستاربكس في خلوة مع فتاة، واقتيد بعدها إلى الحجز.
وبين فترة اقتياده وفترة إخلاء سبيله تُسرد أحداث كثيرة عن حياة فهد مع أمه التي تعود أصولها إلى الأردن، ومع والده وعمه وابن عمه وأخته وصديقه والفتيات اللاتي تعرف عليهن. وتزخر الرواية بالأحداث السياسية والدينية والاجتماعية منذ اعتداء جهيمان على الحرم المكي عام 1979م إلى التفجيرات التي حصلت في المملكة عام 2004، وأحداث كلية اليمامة بالرياض وغيرها من الأحداث التي جرت في عام 2006م. وفي الرواية استقصاء لكثير من الوقائع ومحاولة ربطها بالشخصيات بما يكشف عن انعكاس الماضي على الحاضر، وتداخل الأزمنة والأحداث وتكرر الشخصيات والأفكار خلال ما يزيد على ربع قرن.
ونجحت الرواية في الإيهام بواقعية الأحداث من خلال تسمية الشوارع والأحياء والمحلات والمدارس بأسمائها المعروفة التي نراها ونعرف بعضها ونشعر بوجود “فهد” وبقية الشخصيات فيها. وقد اعتنى بانتقاء أسماء الشخصيات بما يتفق مع البيئة، فأبوه هو سليمان وعمه صالح وجدّه علي، وهي من الأسماء التي تكثر في منطقة القصيم، وبالمثل فإن أسماء مثل: سعيد ومشبب من الأسماء التي تكثر في المنطقة الجنوبية، كما أبرز أسماء أهل البادية من خلال الذين تعامل معهم والده في سجنه. على أن بعض التفاصيل ربما أوحت بما يناقض الواقعية، كالحرص مثلا على تصوير شكل حقيبة الفتاة “طرفة” ووصف الرسمة التي عليها وما يتدلى منها من خيوط..إلخ بما يشعر القارئ أن ثمة إيقافًا متعمدًا للسرد يراد منه غاية فنية أخرى. ومنها تصوير أزيز الباب الخشبي لجدّه في قرية المريدسية في بريدة على أنه كان مدعاة لثورة أهل القرية على الجد وإجباره على خلع الباب أو معالجته تلافيًا لصوت الباب الذي يشبه صوت الموسيقى. وحتى لو صحّت الحادثة تاريخيًا، فإنها تفتقر إلى الواقعية الفنية في نص سردي متماسك لا يعلن عن سخريته المضمرة ولا يعتمد الميثيولوجيا في تسيير أحداث قصته.
وتبرز شخصية “فهد” على أنها نتاج لبيئة تجمع المتناقضات من أقصاها إلى أقصاها، فليس ثمة قيم ثابتة يمكن الركون عليها، بل إن القيم الثابتة هي تلك التي تتغير وفقًا للشخصيات، والشخصيات بدورها تتبدل بحسب مصالحها. وهذا ما حدا بفهد أن يعيش اضطرابًا في فهم الأمور، ومرّ بمعاناة مؤلمة منذ وفاة والده وما لقيه من عمه من معاملة قاسية أفضت به إلى الهروب من المنزل وتجريب العلاقات مع الفتيات تارة والانشغال بالرسم تارة أخرى، وانتهى به المطاف إلى الذهاب إلى بريطانيا بحجّة الدراسة، كل ذلك يحصل في محاولة منه للهروب من هذا الواقع الذي ترفضه شخصيته.
وتظهر خلال الرواية قوى اجتماعية لها تأثير هائل على الثقافة وعلى تغيير مجرى التاريخ وعلى تحويل أنماط الشخصيات من شكل إلى آخر. فالعم صالح مثلا، استطاع أن يحوّل الأم سها من امرأة أردنية تحب الحياة والطبيعة إلى امرأة خانعة مستضعفة تستجدي الأوهام وتؤمن بالخرافات وتنتظر الموت، والأمر نفسه مع الأخت لولوة التي صار أقصى طموحها الخوف من الخطيئة بسبب سماع نغمات الجوال، وربما تكون شخصية ابن عمه “ياسر” مثالا على تحوّل الطبيب من الاعتماد على العلم في شفاء المرضى إلى الركون إلى الأوهام والمساهمة في قتل النفوس البريئة.
وإذا كان الروائي قد انتزع في هذه الرواية مقطعًا يسيرًا من الحياة لكي يشرّحه لنا كاشفًا عن العلل التي تكتنفه من جميع الجوانب، فثمة جوانب ثقافية أخرى تحتاج كذلك إلى من يعرضها علينا من خلال عدسة الفنان. ولعل هذه الرواية تفتح المجال لأعمال روائية سعودية تأخذ مادتها من واقعنا الحيّ لكي تُرينا ما لا نرى، وتعرّفنا على ما نعرف وما لا نعرف.

جريدة الرياض- 15053 – 19سبتمبر 2009

رجل تتعقبه الغربان: ملخص الرواية

رجل تتعقبه الغربان: ملخص الرواية

يظهر خيط السرد بطريقة جديدة، لا تبدأ بالحاضر، وحظر التجول في مدينة الرياض، أو أربعينات القرن الماضي، ورصد المدينة المحصَّنة بأسوارها الطينية فحسب، وإنما القفز بالزمن في مغامرة مختلفة نحو المستقبل، من خلال منظار روسي...

أكمل القراءة

تلك اليد المحتالة – مختارات

تلك اليد المحتالة – مختارات

لبس ما ظنه الرجل الجالس أمام النافذة حمامة بيضاء بأربعة مناقير وعُرف… كان قفازًا منفوخًا ليد هاربة من وباء، دفعها الهواء بخفَّة. هكذا اكتشف الرجل الوحيد في عزلته. طائرات كلما انفتح باب السوبرماركت الكهربائي عن...

أكمل القراءة

في مديح القاهرة

في مديح القاهرة

ذاكرة الدهشة الأولىقبل ثلاثين عاما تقريبًا، تحديدًا في يناير من العام ١٩٩٢ زرت القاهرة لأول مرة في حياتي وأنا في منتصف العشرينات. جئت لوحدي لأكتشف معرض القاهرة الدولي للكتاب في مقره القديم بشارع صلاح سالم. لا أعرف...

أكمل القراءة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *